القائمة الرئيسية

الصفحات

الجزء الثالث: الصحة: حين يتحول الجسد إلى ساحة قلق مفتوحة

 


الخوف على الصحة من أكثر أشكال القلق انتشارًا،

ومن أقلها فهمًا.

لأنه لا يأتي في صورة هلع واضح،
بل في صورة مراقبة مستمرة،
وتفسير زائد،
وانشغال داخلي لا يهدأ.

وغالبًا ما يبدأ بسؤال بسيط:

“هو الإحساس ده طبيعي؟”


1. الجسد لا يتغير… انتباهنا هو الذي يتغير

الجسد البشري مليء بالإشارات:

  • شد عضلي

  • وخز عابر

  • إرهاق

  • تغيرات في النوم أو الهضم

هذه أمور تحدث للجميع.

لكن الفارق بين الشخص القَلِق وغيره ليس في الجسد،
بل في طريقة الالتقاط.

الإنسان القَلِق:

  • يلاحظ أكثر

  • يربط أسرع

  • يفسر أعمق

  • ويقفز مباشرة إلى أسوأ الاحتمالات

فتتحول الإشارة الطبيعية إلى مصدر تهديد.


2. كيف يصنع القلق أعراضًا حقيقية؟

هنا النقطة التي يسيء كثيرون فهمها.

القلق ليس “توهمًا”.
والأعراض ليست “دلعًا”.

القلق يفعّل الجهاز العصبي بشكل مستمر:

  • شد عضلي

  • تسارع ضربات القلب

  • اضطراب التنفس

  • توتر المعدة

  • إرهاق عام

ثم يأتي العقل ويقول:

“أكيد في حاجة غلط”

فيزيد القلق،
فتزيد الأعراض،
فتدور الحلقة.

الجسد لا يكذب،
لكن السبب ليس مرضًا عضويًا.


3. البحث المستمر عن الطمأنة… لماذا لا يكفي؟

تحاليل.
أشعات.
آراء أطباء.
تشخيصات مطمئنة.

ومع ذلك يعود القلق.

لماذا؟

لأن الطمأنة الطبية تعالج السؤال:

“هل أنا مريض الآن؟”

لكن القلق يسأل:

“وماذا لو أصبت لاحقًا؟”

والطب لا يملك إجابة عن “لاحقًا”.
ولا يجب أن يملك.


4. الخوف من المرض هو خوف من فقدان السيطرة

المرض يرمز لأشياء أعمق:

  • الاعتماد على الآخرين

  • التوقف عن الأدوار

  • فقدان الصورة الذاتية القوية

  • الانكشاف

لذلك لا يخاف الإنسان من الألم فقط،
بل من ما يمثله المرض نفسيًا.


5. المراقبة الزائدة تخلق وهم الخطر

كلما راقبت جسدك أكثر:

  • ستلاحظ أكثر

  • ستقل قدرتك على تجاهل الطبيعي

  • ستزداد حساسية الجهاز العصبي

كأنك تضع ميكروفونًا على جسدك،
ثم تفزع من الضوضاء.

الجسد يحتاج قدرًا من “التجاهل الصحي”
ليعمل بهدوء.


6. الفرق بين العناية والقلق

العناية:

  • متابعة منطقية

  • استجابة عند الحاجة

  • ثم عودة للحياة

القلق:

  • مراقبة مستمرة

  • قلق بلا نهاية

  • حياة مؤجلة لحين الاطمئنان الكامل (الذي لا يأتي)


7. إعادة العلاقة بالجسد (خطوة عملية)

قاعدة مهمة:

لا تُفحص الإحساس أكثر من مرة واحدة

لاحظ → قيّم → قرر → انتهِ.

إذا قررت أنه غير مقلق:
لا تعُد له.

العودة المتكررة هي ما يُبقي العرض حيًا.


8. حين يهدأ العقل… يهدأ الجسد

ليس لأن الجسد كان “يتوهم”،
بل لأن التوتر الذي كان يغذيه توقف.

كثير من الناس يشفون من أعراض طويلة
بمجرد:

  • تنظيم النوم

  • تقليل التفكير

  • تقليل المراقبة

  • استعادة الإيقاع الطبيعي للحياة

دون دواء جديد.


ختام الجزء الثالث

الخوف على الصحة مفهوم،
لكن تحويل الجسد إلى ساحة قتال
يُتعب الجسد أكثر مما يحميه.

في الجزء الرابع:
سندخل منطقة أكثر حساسية:
الخوف على الأبناء
وكيف يتحول الحب إلى قلق صامت يؤذي الجميع دون قصد.

تعليقات