مقدمة
«فرّق تسد» ليست خللًا عابرًا في الإدارة، بل نمط حكم كامل يقوم على إضعاف الروابط المهنية، وتحويل العمل من منظومة أهداف إلى شبكة صراعات. والخطر الحقيقي لا يكمن في المدير الذي يمارسها فقط، بل في غياب منظومة قادرة على تعطيلها.
هذه المقالة تضع تصورًا متكاملًا يبدأ من الفرد، ويمر عبر القسم، وينتهي عند المؤسسة بوصفها كيانًا قادرًا على حماية نفسه دون صدام.
أولًا: الفرد الواعي… نقطة الانطلاق
الفرد هو أول من يتلقى أثر «فرّق تسد»، وغالبًا يُستهدف بالعزل أو التشكيك أو الإغراء.
الفرد الواعي:
-
لا يدخل في تحالفات شخصية ضد زملائه.
-
لا ينقل كلامًا شفهيًا يسيء لغيره.
-
يطلب دائمًا التكليف الواضح والمحدد.
-
يفصل بين الخلاف المهني والخصومة الشخصية.
-
يحمي نفسه بالتوثيق الهادئ لا بالمواجهة.
أخطر ما يمكن أن يفعله الفرد هو محاولة “النجاة وحده”، لأن هذه هي الوقود الأساسي لاستمرار الاستراتيجية.
ثانيًا: القسم… الحاضنة أو ساحة الانقسام
القسم هو المستوى الذي تُختبر فيه قدرة المؤسسة على الصمود.
إما أن يتحول إلى كتلة مهنية متماسكة، أو يصبح ساحة تجارب لسياسة التفتيت.
القسم المحصّن:
-
يمتلك فهمًا موحدًا للأهداف والمهام.
-
يتواصل داخليًا بشفافية.
-
لا يسمح بتشويه أحد أفراده دون سند مهني.
-
يرفض تضارب التعليمات، ويعيدها لمسارها الرسمي.
-
لا يصدر خلافاته إلى أقسام أخرى.
عندما يفشل القسم في حماية ذاته، يصبح أداة ضغط على أفراده بدل أن يكون درعًا لهم.
ثالثًا: رئيس القسم… المفصل الحرج
رئيس القسم هو الحلقة الأخطر:
إما أن يكون كاسرًا لفرّق تسد أو مُشغِّلًا لها دون وعي.
الرئيس المهني:
-
لا ينقل توجيهات غامضة.
-
لا يسمح باستخدامه كقناة للوشاية.
-
يوازن بين تنفيذ التعليمات وحماية فريقه.
-
يُدير الخلافات بالأدلة لا بالعواطف.
-
يحافظ على التواصل الأفقي مع نظرائه.
الرئيس الضعيف لا يحتاج إلى أن يكون فاسدًا؛ يكفي أن يكون خائفًا.
رابعًا: العلاقة بين الأقسام… ساحة الحسم الصامت
تفشل «فرّق تسد» عندما تتكلم الأقسام معًا مباشرة، لا عبر وسيط متحيز.
التواصل الصحي بين الأقسام:
-
يقوم على تبادل المعلومات لا تبادل الاتهامات.
-
يحوّل الخلاف إلى مسألة إجراءات لا أشخاص.
-
يكشف التناقضات الإدارية دون افتعال أزمة.
-
يمنع تضخيم الأخطاء الصغيرة لأغراض سياسية.
كل قناة اتصال مباشرة تُضعف الاستراتيجية دون ضجيج.
خامسًا: الإدارة العليا… بين القيادة والسيطرة
الإدارة التي تعتمد على «فرّق تسد» غالبًا:
-
تخاف من الكفاءات.
-
تخشى الإجماع.
-
ترى في التماسك تهديدًا.
-
وتظن أن الانقسام دليل سيطرة.
لكن الحقيقة المؤسسية تقول:
الانقسام لا يصنع ولاءً، بل خوفًا مؤقتًا،
والخوف لا يبني مؤسسة، بل يستهلكها ببطء.
سادسًا: مصير المؤسسة التي لا تُقاوم
المؤسسة التي تستمر تحت هذا النمط:
-
تفقد خبراتها تدريجيًا.
-
يتحول العمل فيها إلى تمثيل شكلي.
-
تكثر فيها الشكاوى والتحقيقات.
-
تنعدم فيها المبادرة.
-
وتنهار سمعتها قبل أدائها.
هي لا تسقط فجأة، بل تتآكل حتى تصبح جسدًا بلا روح.
سابعًا: كيف تُبنى المناعة المؤسسية؟
المناعة لا تُعلن، بل تُمارس:
-
وضوح الأدوار والمسؤوليات.
-
توثيق القرارات.
-
قنوات تواصل رسمية فعّالة.
-
قياس الأداء بمعايير لا بأهواء.
-
ثقافة مساءلة عادلة لا انتقائية.
عندما تصبح القواعد أقوى من الأشخاص، تفشل «فرّق تسد» تلقائيًا.
خاتمة
«فرّق تسد» لا تُهزم بالصوت العالي، بل بالبناء الهادئ.
الفرد الواعي، القسم المتماسك، ورئيس القسم المسؤول، يشكلون معًا جدارًا صامتًا لكنه صلب.
والإدارة التي تعجز عن اختراق هذا الجدار، إما أن تُصلح نفسها… أو تنكشف.
تعليقات
إرسال تعليق