المدير الذي يحتاج إلى تقسيم فريقه ليقوده، لم يكن قائدًا أصلًا، بل كان خائفًا من أن يُرى على حقيقته.
ليست كل أشكال الاستبداد الإداري صاخبة أو مباشرة. أخطرها ذلك النوع الهادئ الذي يعمل في الظل، ويُدار بالعلاقات لا بالقرارات، وبالإيحاء لا بالأوامر. مدير «فرّق تسد» لا يقول يومًا إنه يريد تفكيك الفريق، بل يتحدث كثيرًا عن الانضباط، والاحتراف، والمصلحة العامة، بينما يمارس عكس ذلك تمامًا.
أول ما يكشف هذا المدير هو تفكيك وحدة المعلومة.
ستلاحظ أن التعليمات لا تُقال للجميع بالطريقة نفسها. كل موظف يحمل نسخة مختلفة من القرار، وكل قسم يفهم الهدف بشكل مغاير. وعندما يحدث التضارب، يتدخل المدير ببرود قائلاً: «واضح إن في سوء فهم بينكم»، بينما هو في الحقيقة صانع هذا الالتباس.العلامة الثانية هي إدارة التنافس بدل إدارة العمل.
بدل أن يوجه الجهد نحو الهدف المؤسسي، يشجع المقارنات الخفية بين الأفراد: من الأفضل، من الأكثر التزامًا، من الأقرب للإدارة. لا تُقاس الكفاءة هنا بمعايير واضحة، بل بمدى القرب والامتثال، فيتحول الزملاء إلى خصوم صامتين.ثالثًا، التفضيل غير المستقر.
اليوم يرفع شخصًا، وغدًا يُسقطه بلا تفسير. هذا التقلب ليس ارتجالًا، بل أداة ضغط. الجميع يبقى في حالة ترقّب وخوف من فقدان الرضا الإداري، فلا يتفرغ أحد للتفكير النقدي أو الاعتراض الجماعي.رابعًا، زرع الشك دون اتهام مباشر.
عبارات مبهمة مثل: «مش كل الناس نيتها صافية»، أو «أنا سامع كلام بس مش حابب أقول»، كافية لإشعال الشكوك. هو لا يذكر أسماء، لكنه يطلق رصاصة في الهواء، ويترك العقول تفعل الباقي.خامسًا، تفضيل الاجتماعات الفردية على الجماعية.
في اللقاءات الفردية، يُعاد تشكيل الحقيقة حسب الشخص. أما الاجتماعات العامة فتكون شكلية، بلا نقاش حقيقي. النتيجة أن كل موظف يخرج برواية مختلفة، فلا تتكون ذاكرة جماعية موحدة يمكن أن تُحاسِب.سادسًا، تحويل نفسه إلى وسيط لا غنى عنه.
يمنع التواصل المباشر بين الأقسام أو الأفراد، ويصر أن تمر كل الأمور عبره. بهذا، لا يسيطر فقط على القرار، بل على العلاقات نفسها. من يتحدث مع من؟ ومتى؟ ولماذا؟سابعًا، غياب العدو الخارجي وحضور الصراع الداخلي.
المؤسسات السليمة تتحد أمام التحديات. أما في بيئة «فرّق تسد»، فالتوتر دائم داخل المؤسسة نفسها. كل مشكلة تُفسَّر على أنها تقصير من قسم آخر، لا نتيجة خلل إداري.كيف يتصرف الموظف الواعي؟
كشف هذه الاستراتيجية لا يعني فضحها علنًا فورًا. التصرف الحكيم يبدأ بـ:
-
تثبيت الحقائق كتابة وبحضور شهود.
-
بناء علاقات مباشرة وشفافة مع الزملاء بعيدًا عن الوسيط.
-
رفض لعب دور ناقل الكلام أو طرف في صراع جانبي.
-
التركيز على الأداء القابل للقياس، لأنه السلاح الوحيد ضد التلاعب.
-
مراقبة النمط لا الحادثة؛ فالاستراتيجية تُكشف بالتكرار.
متى تتحول «فرّق تسد» من أسلوب خفي إلى خطر مؤسسي؟
تبلغ هذه الاستراتيجية أخطر مراحلها عندما تنتقل من سلوك فردي إلى ثقافة غير معلنة داخل المؤسسة. يحدث ذلك حين يبدأ الموظفون أنفسهم في إعادة إنتاج الانقسام دون تدخل مباشر من المدير، فيصبح الشك عادة، والصراع آلية عمل.
علامة التحول الخطير هي أن:
تختفي المبادرات الجماعية.
يتجنب الناس التوثيق خوفًا لا حرصًا.
تُفسَّر كل ملاحظة مهنية على أنها هجوم شخصي.
يصبح الصمت هو وسيلة النجاة الأكثر شيوعًا.
ما الذي يكسر الاستراتيجية على مستوى المؤسسة؟
حتى أقوى ممارسات «فرّق تسد» تنهار أمام ثلاثة عناصر إذا وُجدت:
حوكمة واضحة: سياسات مكتوبة، أدوار محددة، ومسارات قرار شفافة.
ذاكرة مؤسسية: محاضر، مراسلات، وتقارير تحفظ الوقائع وتمنع إعادة صياغتها.
قنوات تواصل أفقية: تشجع التعاون المباشر بين الأقسام دون وصاية غير مبررة.
تنبيه مهم للفرد الواعي
أخطر خطأ هو الاعتقاد بأن كشف اللعبة يعني إعلان الحرب.
الأذكى هو إبطال مفعولها: بالوضوح، بالثبات، وبالعمل الذي لا يحتاج إلى تفسيرات.
عندما تجف مصادر الالتباس، تموت «فرّق تسد» تلقائيًا.
الخلاصة
مدير «فرّق تسد» لا يحكم بالقوة، بل بالخوف والالتباس. قوته ليست حقيقية، بل مستعارة من تشتت الآخرين. وكلما ازداد وعي الأفراد، وتماسكوا حول الحقائق لا الأشخاص، بدأت هذه الاستراتيجية في الانكشاف والانهيار تلقائيًا.
فالوحدة لا تُهزم بالقمع فقط، بل تُهزم حين تُفكك من الداخل، بصمت.
تعليقات
إرسال تعليق