لا مِساس: حين يتحوّل القول إلى قانونٍ يواجه السنن
قال تعالى:
﴿قَالَ فَٱذۡهَبۡ فَإِنَّ لَكَ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَۖ وَإِنَّ لَكَ مَوۡعِدࣰا لَّن تُخۡلَفَهُۥۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰۤ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِی ظَلۡتَ عَلَیۡهِ عَاكِفࣰاۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِی ٱلۡیَمِّ نَسۡفًا﴾ [طه: 97]
القول ليس مجرد لفظٍ يُنطق، بل هو ما استقرّ في الذات معنىً، ثم خرج إلى الوجود صورةً من صور التعبير: لفظًا، أو إشارةً، أو رمزًا، أو فعلاً. فالقول فعلٌ ممتد، والكلام جوهره الباطن الذي يتجسّد في الخارج سلوكًا أو نظامًا أو أثرًا. ومن هنا يصبح القول مسؤولية وجود، لا حركة لسان.
في قوله تعالى: «أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ» لا يُفهم اللفظ باعتباره عبارة عابرة، بل كمنهج حياة. “المِساس” هو الاجتماع والضمّ والجمع؛ هو التقاء السنن والمقاييس والقوانين في نسقٍ واحد. وكأن المعنى: أن يعيش صاحب الفتنة في عزلةٍ تشريعية وروحية، لا يمسّ ولا يُمَسّ؛ ينشئ لنفسه دائرةً مغلقة من القوانين الخاصة التي لا تتلاقى مع سنن الله.
ولهذا جاء في موضع آخر: «لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ»؛ أي إن جمع السنن الإلهية في القلب، وفهم قوانينها في انسجامها الكلي، لا يتأتى إلا لمن تطهّر من الهوى والالتواء. فالمسّ هنا ليس تماسًا حسيًا، بل تماسّ إدراكٍ ووعيٍ يجمع ولا يبعثر، يوحّد ولا يجزّئ.
وحين قيل للسامري: «فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ» كان ذلك إعلانًا بأن حياته ستظل ممتدة بالقول والعمل معًا؛ يبثّ سننه الخاصة في مواجهة السنن الإلهية. والكسرة في “مِساس” توحي بحركة خروجٍ وتغيير، كأن مشروعه قائم على إحداث تحوّلٍ عمّا استقرّ من قوانين الله، وبناء منظومة موازية تنازعها التأثير في الناس.
وتكرار السين يحمل دلالة السنن؛ سننٌ في مواجهة سنن، قوانين بشرية تصادم قوانين ربانية. وأول تجلٍّ لهذه المواجهة كان في قصة العجل؛ ذلك الرمز الذي جمعه السامري من أجزاء مادية وفكرية، فأخرجه للناس في صورةٍ مبهرة، نقلها من فكرةٍ كامنة إلى واقعٍ يُرى ويُفتن به. كان العجل تجسيدًا لفكرةٍ صيغت بعناية، ثم طُرحت في عالم الناس لتنافس الحق وتستدرج القلوب.
لكن المواجهة حُسمت حين أُحرق العجل ونُسف في اليمّ؛ إعلانًا أن كل بناءٍ يقوم على سننٍ منقطعة عن سنن الله مصيره التفكك والاندثار، مهما بدا في لحظةٍ من اللحظات مكتمل البنيان.
وهكذا تصبح “لا مِساس” ليست مجرد عقوبة لفظية، بل توصيفًا لحياةٍ تنفصل عن المصدر، وتختار أن تصنع قوانينها الخاصة في صراعٍ ممتد مع القانون الإلهي. إنها قصة القول حين يتحول إلى نظام، والنظام حين يتحول إلى فتنة، والفتنة حين تواجه نسف السنن الربانية لها في نهاية المطاف.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق