حين يظن صانع الحدث أنه السيد... بينما هو جزء من القَدَر
هناك لحظات في التاريخ يقف فيها الإنسان منتفخًا بقوته، يظن أنه أحكم نسج الخيوط، وأتقن إدارة المشهد، وسيطر على مجرى الأحداث حتى لم يعد شيء يفلت من قبضته. يتصور أنه صانع المصائر، وأن الناس مجرد أدوات في مشروعه الكبير، وأن الفتن التي صنعها والحسابات التي رتبها والطرق التي أغلقها أو فتحها كلها أصبحت تحت سلطانه.
لكن الإنسان ينسى في لحظة غروره حقيقة كبرى: أنه قد يتحرك بكامل إرادته، لكنه في النهاية يتحرك داخل سنن أوسع منه، وأكبر من قدرته على الإحاطة بها.
فكم من صانع للأحداث ظن أنه يُسيّر المقادير، بينما كان في الحقيقة مُسخَّرًا لتحقيقها.
فالإنسان يرى الفعل القريب، أما القدر فيرى النهايات البعيدة.
إخوة يوسف عليه السلام لم يجتمعوا وهم يخططون لإلقائه في الجب لأنهم أرادوا صناعة ملك عظيم، ولم يتحركوا لإنقاذ شعوب من المجاعة، ولم يكن في أذهانهم سوى الحسد والتخلص ممن رأوا أنه أخذ مكانتهم.
لكن ما الذي حدث؟
ألقوه في الجب ليغيب... فكان ذلك طريق ظهوره.
أبعدوه عن أبيه... فصار سببًا لاجتماعهم مرة أخرى.
ظنوا أنهم ينهون قصة... فإذا بهم يبدأونها.
كانوا يظنون أنهم يصنعون حدثًا صغيرًا، لكنهم في الحقيقة كانوا يُتمّون سنة إلهية كبرى: أن يصل يوسف إلى الملك، وأن يكون سببًا في إنقاذ أمة كاملة من مجاعة قادمة قدرها الله.
لكن الأمر لم يتوقف هنا.
الثمن عاد إليهم.
عادوا هم أنفسهم يحملون الجوع، ويقطعون المسافات، ويقفون بين يدي من ألقوه في الجب.
فالسنن لا تتعطل.
والأفعال لا تموت.
وما يصنعه الإنسان يعود إليه بصورة قد لا يتخيلها.
وهنا يظهر الفارق بين إنسان مردُّ أمره إلى الله، وإنسان مردُّ أمره إلى نفسه.
فالذي يتمحور حول نفسه يرى أنه مركز الكون، وأن النجاح فطنته وحدها، وأن الفشل مؤامرة من الآخرين.
أما من رد أمره لله فإنه يتحرك ويعمل ويجتهد، لكنه يعلم أن النتائج ليست ملكه.
قد يُهزم ظاهريًا وهو على حق.
وقد يخسر معركة صغيرة لينجو من كارثة أكبر.
وقد يموت وهو ثابت على موقفه، لكنه لم يخسر.
فمن دافع عن أرضه أو عرضه أو حقه فأصابه ضرر أو موت، ليس كمن اعتدى طمعًا أو ظلمًا.
كلاهما ربما سقط في ساحة واحدة، لكن المسافة بينهما ليست في الصورة الظاهرة... بل في النية.
وهنا تبدأ منطقة الاختبار الحقيقية.
ليست القضية في الفعل وحده.
بل: لماذا فعلته؟
ما الذي كان يحركك؟
إلى أين كان قلبك متجهًا؟
ولهذا ينتقل القرآن كثيرًا من الأحداث الكبرى إلى أمثلة تبدو صغيرة جدًا.
لأن الاختبارات العظيمة تبدأ غالبًا من أشياء يراها الناس تافهة.
كلمة.
توقيع.
سكوت.
ابتسامة رضا.
صمت أمام باطل.
وهنا يظهر مشهد أصحاب السبت.
كثيرون يقرأون قصتهم باعتبارها حادثة تاريخية انتهت، بينما المثل أوسع من ذلك بكثير.
لم يكن جوهر قصتهم مجرد صيد سمك.
بل كان جوهرها: التحايل على حدود الله.
كان المطلوب منهم ألا يصطادوا.
لكنهم لم يصطادوا بصورة مباشرة.
تركوا الحيتان تدخل ثم جمعوها لاحقًا.
ظاهر الأمر أنهم لم يخالفوا.
أما الحقيقة فشيء آخر.
لقد فتحوا الباب للالتفاف على الحقيقة.
وهنا يبدأ الخطر.
لأن الإنسان عندما يتقن خداع نفسه يصبح قادراً على تبرير أي شيء.
وفي زماننا تتكرر الصورة بأشكال مختلفة.
الموظف المرتشي لا يقول: أنا أبيع ضميري.
بل يقول: مجرد إكرامية.
والذي يتحايل على رزقه لا يقول: أنا أخالف.
بل يقول: الجميع يفعل ذلك.
والذي يبرر الخطأ يقول: ما شأني؟
وهكذا يبدأ فتح الأدراج.
في البداية مجرد فتحة صغيرة.
ثم يصبح الدرج بيتًا للحيتان كلها.
والمؤلم أننا وقعنا في زمن أصبحت فيه الفخاخ مُتقنة الإغلاق.
أصبحت الدوائر محكمة.
حتى بات الإنسان يشعر أحيانًا أن الخيارات تضيق حوله:
إما أن يصبح من أصحاب السبت...
أو ممن يضعون الحيتان في الأدراج...
أو يصمت.
ولهذا صار كثير من الناس كالحيتان نفسها.
تدور داخل الفخ، وتظن أنها تتحرك بحرية، بينما كل الطرق تؤدي إلى الشبكة.
لكن يبقى السؤال:
هل المشكلة في الفخ؟
أم في اعتياد الدوران داخله حتى ظننا أنه البحر كله؟
فالسنن الإلهية لا تخدع أحدًا.
والأحداث مهما تعقدت لا تخرج عن مسارها.
ومن ظن أنه يصنع المقادير قد يكتشف متأخرًا أنه كان مجرد سطر صغير في كتاب أكبر بكثير مما تخيل.
