ما الفرق بين الطاعة والإتباع في القرآن الكريم؟؟؟

الفرق بين الطاعة والإتباع

قال تعالى:

{قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} (سورة آل عمران 32)

{وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِ} (سورة طه 90)

{فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} (سورة الزخرف 54)

{قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (سورة آل عمران 95)

{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} (سورة مريم 59)

الطاعة:

كلمة المصدر طوع ومنها الاستطاعة، والطوع، إذن الطاعة هي:

(ط) صور من تطويع وتطويق النفس والسيطرة عليها وضبط حركة ذاته ونقلها من نطاق تطويع لنطاقات أكثر تفصيلًا من هذا التطويع للنفس، (ا) وضبط النفس على هذه الحالات المختلفة من التطويع النفسي في تلك النطاقات وحالات النفس المتعددة، (ع) فيصل من خلال هذا التطويع إلى أعماق نفسه ويكتشف ما كان خفيًا ولم يكن يدركه عن نفسه فيميز حاله بعد تطويع نفسه ويكتشف ما هو أعجب وأغرب، فيهيمن على نفسه تمامًا ويتقن هذا التطويع على الحالة الجديدة، فيتبع ما طوع عليه نفسه.

وهذا يشمل تطويع النفس سواء للخير أو الشر، فالطاعة هنا تجعله يتجه إلى ما هو أكثر طاعة على هذا الحال الذي طوع عليه نفسه فيتتبعه، إذن الإتباع هو نتيجة للطاعة.

الإتباع:

كلمة المصدر تبع

(إ) خروج من حالته الأولى أو نطاقه الأول الذي كان عليه (ت) فيفاعل ويتاخم أمر ما أو شخص ما فيتمم كل منهما الآخر، فيتقن هذا الأمر أو العمل أو يتبع أمر ما أو حال ما أو شخص ما، (ب) فيظهر ويبدو منتقلاً من شيء لنقيضه أو من حالة لحالة أخرى مغايرة، أو يبدو عليه هذا تغيير وجهته واتباعها، (ا) فيضبط أموره المختلفة وكل أحواله على متابعته لهذه الوجهة الذي تتبعها، (ع)  فيصل من خلال هذه الملازمة إلى أعماق ما يتابعه ويكتشف ما كان خفيًا عنه ولم يكن يدركه عنه فيميز ما يتابعه ويكتشف ما هو أعقد، فيهيمن عليه تمامًا ويتقن متابعته على الحالة الجديدة.

 

أي هنا لكي تتبع شيئًا أو حالاً أو شخصًا لابد أن تطوع نفسك أولاً على تلك الطاعة، ثم تأتي مرحلة الاتباع وهي مرحلة ينتقل الإنسان من حالة التطويع إلى إتقان تام لهذا التطويع حسب ما سوف يتبعه في كل فعل وحال، في تلك الحالة تصبح الطاعة، حالة اعتيادية، غلافها الخارجي الظاهر هو الاتباع.

الفرق بين الطاعة والاتباع

الطاعة

 

الاتباع بعد طاعة

الطاعة تحتاج الى صور متعددة من حالات التطويع للنفس.

 

هو خروج من كل صور التطويع الجزئية.

الطاعة تمر بمراجل متعدد من درجات التطويع

 

حيث تتجمع جميع حالات التطويع وتشكل جسدًا واحداً من الطاعة الكاملة

في كل مرحلة يكتشف فيها قدرات في نفسه أكبر وأعمق وأعجب للتطويع.

 

يضبط نفسه على هذه الطاعة الكاملة

مع استمرار التطويع يتقن تطويع نفسه بدرجة كبيرة فيتحول التطويع إلى طاعة

 

هنا يحاول أن يكتشف كل ما يمكن اكتشافه عما يتبعه.

فنفترض مثلاً أن أحدهم أراد أن يطوع نفسه على مناسك مثل الصلاة والزكاة والصوم إلخ، فهي صور متعددة من حالات التطويع المنفردة، مع الوقت ومع استمرار التطويع يكتشف الإنسان في نفسه قدرات من التطويع الأعمق في ذات الصور من صور التطويع، ثم في مرحلة أكثر تطويعًا ثم يصبح أكثر إتقانًا للتطويع وصولًا لأن يصبح المناسك كلها جسدًا واحدًا مكملًا وداعمًا كل منهم للآخر، هنا تبدأ مرحلة الاتباع فيبدو فيخرج من أي حالة كانت تخالف أو تتحدى هذا التطويع إلى طاعة كاملة ظاهرة عليه بل في تلك الحالة الجديدة يحاول اكتشاف الحكمة من وراء هذه المناسك فيجد فيها ما يمكن أن يجعله ينتقل من حالة التطويع إلى المتابعة حيث تختفي حالة التطويع ومجهودها ويصبح المجهود منصب في اتجاه اكتشاف ما وراء الاتباع وما لم يكن يدركه عما يتبع.

وهنا عندما يخالف الإنسان فطرته لتطويع النفس على شهوات ما فإنه يمر بمراحل التطويع والاتباع.


إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد، ما هذا القرآن في هذا الموضع؟!

إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد، ما هذا القرآن في هذا الموضع؟؟؟

قال تعالى:

{إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} (سورة القصص 85)

أولاً يجب تصحيح المعنى العام للقرآن قبل الخوض في سياق الآية.

ما هو القرآن كمعنى مطلق، وكيف علَّم القرآن قبل خلق الإنسان؟!!

القرآن كمعنى مطلق هو أمر الله تعالى وقوانينه التي تتنزل لتندمج بالأشياء والشخوص فتتحول بهذا الاندماج من حال إلى حال آخر يجعلها ترتبط بهذه القوانين والأوامر والتي تتحكم وتسيطر على ضبط أحوالها وأمورها وإظهارهم في الدنيا على حالة تأثير وتأثر ونتاج ما بين الحركة والسكون.

أي أنه القانون الذي يحكم الوجود المادي وحركة المخلوقات ووجودها، والله تعالى هو مصدر هذا القرآن، ولكي نعي أكثر يجب أن نقرأ قوله تعالى:

{وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا........} (سورة الرعد 31)

والله عَلَّمَ الْقُرْآنَ، وعلَّم في هذا الموضع أي كشفه من وجود القرآن الخفي بنقله بصور متعددة ليتلاحم ويتواصل مع مخلوقات الله فينشأ وجودها وحركة نشوؤها وأطوارها.

أي أن عَلَّمَ الْقُرْآنَ هنا مثل كشف اندماج النفس والجسد ونفخ الروح ليصبح إنسان، هنا العناصر المندمجة والمرتبطة ببعضهم البعض متآلفة ينتج عنها إنسان يحمل نسبة من العناصر الثلاثة (نفس – روح – جسد)، هم ذاتهم مندمج فيهم قرآنهم الذي تحكم وسيطر على حركة النشوء والوجود، وهكذا كل مخلوق صغير أو كبير مرئي وغير مرئي ففيه قرءانه فنحن مخلوقين بقوانين الرحمن الذي علم القرآن وكشف بقوانين الله فيه عن خلقه وخلق الإنسان.

فإذا كان القرآن ككتاب مرسل بين أيدينا يحمل قوانين وأحكام الاندماج مع كافة الأحوال الدنيوية التي تجعلنا قادرين على التحكم والسيطرة على نفوسنا وأحوال الدنيا معًا، فيضبط لنا حالنا وحال الدنيا، وينتج لنا أحوال نقية بإدماج الأمر والسنن والأحكام الإلهية من خلال هذا القرآن بالدنيا وأحوالنا وأمورنا الدنيوية.

بل أن كل كتاب قبل القرآن الكريم هو قرآن زمانه ومكانه إلا أنه موقوف داخل مكانه وميقات تنفيذه.

ولكن القرآن الكريم هو يحمل الصفة الكاملة للقرآن من حيث أنه لكل زمان ومكان:

{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ (((قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا))) (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} (سورة الإسراء 106 - 109)

فهل ذات القرآن هو ذاته الذي كان قبله إذ يتلى يخرون للأذقان سجدًا، بالطبع كان قرآن زمانه، وأيضًا ضم من القوانين القرآنية ما يفرقه عن القرآن الكلي أو المطلق، لنقرأه، أي نتقن استخراج ما نرتبط به منه في ضبط حياتنا والسيطرة على نفوسنا، على مُكث أي جمعناه على صياغة دنيوية وتكوين متوافق في إثراء حياة الناس على أفضل وأنقى حال.

فالقرآن بالكتاب الذي بين أيدينا هو بمثابة اختيار لما سوف يضبط حياتنا وحركتنا الإرادية، وهناك قرآناً مطلق يسيطر على حركتنا اللاإرادية، كذلك خلق الخلق بقوانين القرآن الإلهي الذي يشمل قوانين الخلق كله، القرآن الشامل.

لذلك في قوله تعالى:

{وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ ((لَوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا)) وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} (سورة الرعد 31)

لو دققتم جيدًا سوف تروا أن في المقابل للاختيار في المقابل أنه تعالى لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا خارج منطقة الاختيار. 

فالأمر أمر الله ويضع لكل أمر قرآن لو أن الإنسان وصل لقرآن يفتح أنفاقًا بالجبال يمكنهم من المرور بين طرفي الجبال أو خروج جزء من باطن سطح الأرض وتطويع وتشكيل وتحوير هذا الباطن وكشف ما كان خفي من هذا الباطن بشكل تام كأنفاق تحت الأرض أو قرءان كُلِم به الجمادات الموتى أي تم وصل تكوين مادي متوافق مع بعضه البعض جعلت له قوة الوصل والاتصال بين باطنه وظاهره ونقل ما بين ظاهر وباطن من خلال قالب صياغة مادية مثل الأجهزة التي بين أيدينا، فكل هذا بأمر الله،  فلله الأمر جميعاً ولكل مخلوق قرآنه الذي نتعامل معه من خلاله ولا نخرج خارج تلك القوانين.

لذلك كان خطابه للمؤمنين:

أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا

فبقرآن الله في مخلوقاته مكننا منها وسخرها لنا ووجب احترام قرآنه فيها ولو أراد الله لكشف قرآنه فيها وهدى الناس جميعًا، ولكن تركهم لرؤية الحكمة في توازن الأرض وما فيها بقرآنه، ولكن بما يصنعون وعدم احترامهم لقوانينها الكلية وتوازنها جاء قوله:

{وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} (سورة الرعد 31)

فهذا الإخلال المتزايد لقرآن مخلوقاته يقرعهم بين الحين والحين بما صنعوا.

وهكذا وضع الله تعالى ما بين أيدينا قانون الاختيار متمثلاً في القرآن الكريم ككتاب ذو صياغة كلامية منطوقة أو مقروءة وتحمل أوامر وحكمة إلهية، وهناك قرآنًا يحكم كل شيء لا إراديًا.

والقرآن الكريم كقوانين ليس هو الدين، فهو كلام الله، أي المعاني الكامنة بالذات الإلهية بصياغة دنيوية ليس لها مدى من العلم يمكن بلوغ مداه، وما نستخرجه منه ليكون ضابطًا للسلوك الدنيوي فهو دين، فالدين قوانين الفضيلة التي تنقي سلوكنا.

والآن يمكن أن نعي كيف علَّم الإنسان قبل خلق الإنسان.

قال تعالى:

{الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} (سورة الرحمن 1 - 7)

الرَّحْمَنُ هو صفته والقانون الإلهي بربط الخلائق والتحكم والسيطرة والإحاطة بهم وجمعهم وضمهم في أجسام مادية أيًا كان هذا المخلوق جمادًا أو غير جماد مرئي لنا أو غير مرئي، فالرحمن صفة التحكم والصلة بين الله ومخلوقاته وقوانين خلقهم، أما صفته الرحيم فتحكم قوانين الارتباط بين المخلوقات وبعضها البعض.

والقران الكريم صفة الكتاب عندما تنزل إلى عالم الخلق فبخروجه وتنزيله واندماجه في القلوب أصبح قرءان كونه ارتبط وسيطر وتحكم بالنفس وتآلف معها ومع أحوالها الدنيوية فينقي قلوب النفوس وأحوال الدنيا كل ما اندمجنا به فليس كل إنسان كتابه أصبح قرآنه حتى يجعله طريقه المستقيم.

فهو في الأصل كتاب لا طالما لم يخرج لعالم الخلق ثم تتضح صفاته بتنزيله فهو القرآن المجيد والعظيم والمبين.. الخ

ولكن عَلَّمَ الْقُرْآنَ هنا.. تأتي في سياق قانون الرحمن وتليه

وكلمة (عَلَّمَ) تعني كشف ما كان خفياً من قبل فأخرجه على مراحل من نطاق علم الله إلى عالم خلقه ووضعه في قالب مادي أو في صياغة عالم الخلق وصور من القرآن الذي يتناسب مع كل مخلوق منطقه، وطبيعته، وطبيعة سجوده، ومسجده.

وهذا الذي كشفه الله ونقله من العلم الكائن بذاته لعلم المخلوقات ووضع له صياغة مادية وفي قالب دنيوي هو القرآن.

وهنا قد يسبح البعض إلى أن الكتاب الذي بين أيدينا هو المقصود.. ولكن هو صار قرآناً كونه اندمج بقلوب البشر وقبل تنزيله فهو كتاب، بل وبدون تنفيذ ما فيه يظل كتاب.

فإذا كان قوانين الرحمن كما أسلفنا فلتنفيذها تم كشف قرءان شامل قبل الخلق

{الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} (سورة الرحمن 1 - 7)

الفرض

هو ما يستوجب مفارقة حالة معتادة والارتباط بتضييق تلك الطريقة المعتادة والسيطرة على النفس والتضييق عليها، وهنا مع فرض القرآن المطلق فارق حالته المتحررة من الجسد وتم التضييق عليها بفروض عالم الأرض من جوع وعطش وحاجة للنوم... الخ.

هذه الحالة التي تم فرضها من خلال الله تعالى، يتبعها الرد للحالة الأولى.

لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ

لرادك من ردد ومعاد من وعد، فربط قوانين التردد أو تغيير الاتجاه ما بين اتجاهين ذهاب وإياب موصول بوعد، يوم كشف ما كان خفي ولا يدركه من عالم الآخرة، يكشف فيه الأدلة والبراهين الكامنة وراء هذا الاكتشاف.

أي سينقلك الله تعالى من عالم الأمر، ويربطك بجسد وحياة مادية دنيوية من خلال هذا القرآن المفروض ليتحكم في أمورك وأحوالك الدنيوية، وتخضع لصور متعددة من القوانين التي ظاهرها صور من أدلة وبراهين دنيوية متشابهة ومشتبهة عليك فيها من فتن الظاهر وباطنها بقرآنها المفروض الذي يحمل البرهان المطلق في تكوين متوافق مع أحوالك وأمورك الدنيوية تعطيك قوة الاستمرار في هذه الحياة إلى أن يخرجكم منها ويجمعكم الله تعالى ليكشف لكم ما كان خفي عنك أيها الإنسان ولم تكن تدركه من قبل في الدنيا ويكشفه لك في تلك الحياة الأخروية لتكتشف الأدلة والبراهين المطلقة التي تتضح وتصبح مبينة فبصرك اليوم حديد.

هل القرآن كلام الله أم هو حكمه قديمة متوارثه عن العصور السابقة للإسلام؟!!

هل القرآن كلام الله أم هو حكمه قديمة متوارثه عن العصور السابقة للإسلام؟!!

قال تعالى:

{قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} (سورة الكهف 109 - 110)

1.  يتضح أن القرآن كوحي هو عبارة عن كلمات ربي

ولكن في موضع آخر قال تعالى:

(إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ) (سورة الحاقة 40 - 46)

2.             يتضح هنا أن القرآن الكريم قول محمد صلى الله عليه وسلم.

3.             أنه تنزيل رب العالمين وفي ذات الوقت أنه قول الله ولا يمكن أن يتقول أحد على قول الله.

ولكن في موضع آخر قال تعالى:

(إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ) (سورة التكوير 19 - 25)

4.      أنه قول جبريل عليه السلام يتلقاه محمد صلى الله عليه وسلم.

(إذن القرآن الكريم كلام الله وفي نفس الوقت قول الله تعالى وقول جبريل عليه السلام وقول محمد صلى الله عليه وسلم).

كيف نعي هذه المعاني وكيف تتسق مع بعضها البعض.

وهنا لابد أن نعيد مراجعة معنى الكلام والقول والفرق بينهما؟

الفرق بين الكلام والقول في القرآن

ولعل المسلمين يومياً يقولون على القرآن الكريم أنه (كلام الله)، وعندما يقرؤون آية أو سورة من القرآن يقولون (قال تعالى) ولا يتأملوا اختلاف قولهم في الحالتين

فما معنى كلام الله وما معنى قول الله؟!

فهناك فرق كبير بين الكلام والقول فإذا ما قلنا هذا القرآن كلام الله فنحن نعني شيء وعندما نقول إن القرآن قول الله فنحن نعني شيء آخر فلا يوجد ترادف بين الكلام والقول رغم وحدة المصدر في بعض الأحيان، فالكلام الذي يصدر من الواحد الأحد هو قوله وقول جبريل وقول محمد وقول كل من آمن به من بعده.

وقد حمل الرسول محمد صلى الله وسلم لنا تنزيل من رب العالمين ومن قبله جبريل عليه السلام وهنا يكون النقل لا العقل لقول الله الذي يختلف عن وعينا وعقلنا لكلام الله تعالى في قوله الذي يحتاج منا العقل بعد هذا النقل فهو ليس بقول كاهن ولا قول شاعر وهذا سوف نعلمه حين نعقل كلام الله في هذا القول وأن هذا القول الذي نقله لنا رسولنا الكريم لم يتقول فيه بأي شيء من عنده وما كان له ذلك فهو قولًا خالصًا لله يحمل كلام الله ففارق كبير بين قول الله وتطبيق رسوله الكريم لقوله بعد استخراج ما عقل من كلام الله فيه بتطبيقه في أمور حياته وحياة من حوله.

ما الفارق بين الكلام والقول؟!

علينا أن نبحث في القرآن ونستشف المعنى من النصوص القرآنية للكلمات المتفرعة من (ك؛ ل؛ م) و (ق؛ و؛ ل)

الكلمــــــــــــــــــــــــة في القرآن:

فنجد أن (الكلمة) تدور دلالاتها في إطار واسع من المعنى يشمل المعنى الكائن في كل ذات متكلمة، فعندما يدور في خلدك مجموعة من المشاعر تظل كلاماً يحمل معاني لم تتحول إلى قول، فالغضب والفرح وكل انفعالاتك أنت والغير كلاً له انفعالاته وأحاسيسه ومفهومه وعلمه الخاص، تتحول الكلمة إلى قول إذا تم ترجمة تلك المعاني الكائنة والمشاعر التي في داخلنا بقول يمكن خروجه للعلن وإما يتم الاحتفاظ  بالكلمة بداخلك، فخروج المعنى الكائن بالذات  للعلن بقول منطوق أو تعبير أو رمز ككتابة أو إشارة  وغيرها من العديد من أشكال القول التي هي في حقيقتها قالب القول الذي يحمل المعاني الكائنة والتي كانت كائنة بالذات (الكلام)، فالقالب يمكن أن يكون لغة أو تعبيرات وجه أو حتى إشارة، فمهارة الصياغة للقول يكمن فيه مدى قدرة هذه الصياغة في إبانة هذا المعنى.

ولكن يظل الإنسان بقدرته المحدودة غير قادراً على تحديد الفارق بين الكلمة والقول حيث أن هذه العملية تتم بداخله بسرعة، فعادةً من الصعب أن يحتجز الكلمة بعيدة عن القول، فهناك في نطاق الإنسان ثلاثة أحوال للكلمة:

النطاق الأول- كلمة تحمل مجموعة من المشاعر والانفعالات للإنسان، ولكنها خفية حتى على الإنسان ذاته وهي ما يسميها علماء النفس بمنطقة العقل الباطن وهي تسمى ما أخفى.

النطاق الثاني- كلمة تحمل مجموعة من المشاعر والانفعالات للإنسان يترجمها داخل نفسه بقول يسره في نفسه ولا ينطق بها وهو ما يسمى السر.

النطاق الثالث- كلمة تحمل مجموعة من المشاعر والانفعالات للإنسان يترجمها داخل نفسه بقول يجهر وينطق به بأي قالب من قوالب القول مسموع أو مقروء أو حتى إشارة أو حتى تعبير للوجه وتسمى الجهر بالقول.

قال تعالى:

{وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} (سورة طه 7)

فإذا كان الكلام هو المعنى الكائن في الذات

  إلا أن كلمات الله أكثر خصوصية:

{قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} (سورة الكهف 109)

فكلمات ربي لا تنفد ولكن هناك منها ما لم يقال لنا في عالم الوجود فهنا المقصود بالكلمات هو المعاني والدلالات الكائنة في علم الله تعالى، وهي لها خصوصية مختلفة عن المعاني والدلالات الكائنة في علم الإنسان فشتان بينهما.

ولعل دائماً ما يضطرب التأويل حينما لا يفهم من يقوم بالتأويل مقصد قول الله تعالى أي عدم فهمه المعنى الكائن في ذات الله، وبالطبع لن يعلم تأويله إلا الله، ولكن يظل هناك طرفًا من معنى يمكن أن يدركه البشر هو جزء من المعنى الكائن بالذات الإلهية، يكشفه الله لنا كل مرة عندما يكشف لنا عن ساق (جانب) من القرآن فنكتشف أفاق جديدة تمنحنا فهمًا أعمق لمساعدتنا في فهم أحداث جارية.

فقول الله الذي بين أيدينا هو مكون من مجموعة حروف تحمل قالب بناء القول الإلهي الذي يحمل داخله كلام الله (المعنى الكائن بالذات الإلهية). 

قال تعالى:

{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (سورة المؤمنون 99 - 100)

والسؤال هل كل من يأتيه الموت يقول ذات القول (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ).. فكل قول لشخص ما في القرآن الكريم ليس هو ذاته منطوق هذا الشخص سواء باختلاف الألفاظ أو حتى باختلاف اللغة واللسان، إلا أن القول الإلهي يحمل المعنى الكائن في ذات المتكلم في أدق تعبير فهنا كان قوله تعالى (كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا) فلكل إنسان أن يقول هذا المعنى الكائن في هذا النص القرآني بلسانه الخاص وبمفرداته الخاصة فكان لزامًا علينا أن نعي الفارق الكبير بين كلام الله وقول الله فالكثير منا يرددون قول الله وما عرفوا شيئاً عن كلام الله.

قال تعالى:

{فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} (سورة آل عمران 39)

 

فالله لم يبشر زكريا فقط بأنه سوف يرزقه الله بيحيى عليه السلام، بل وبشره بأنه مصدق بمعنى كائن في ذات الله يأتيه وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل له رسولاً، فالرسالة كلمة كلام الله تُصاغ في قول.

كيف يكلم الله البشر:

{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} (سورة الشورى 51)

أولاً: وحياً:

أي بأن يوحى لهذا المصطفى من عباده بالمعنى الكائن بالذات الإلهية والذي يعبر عنه المخلوق المصطفى بقوله بقالب لسان يتناسب مع لغة قومه وبدون كتاب وهي المرحلة بداية من آدم وحتى ما قبل صحف إبراهيم.

وكان المنهج كل المنهج في شخص الرسول وهذا ما حصل بالضبط مع سيدنا نوح حيث كان نوح بكليته وكينونته وشخصيته يمثل كل المنهج فإذا ما قال نوح قال المنهج، وذلك ينطبق على كل من أرسل قبل إبراهيم.

ثانياً: من وراء حجاب

 وهو مستوى أقرب كأكثر وضوحًا، ولكن أيضاً بالمعنى الكائن بالذات الإلهية ويصيغه المخلوق المصطفى من البشر ليصيغه بقوله بقالب لسان يكتب بكتاب يحمل مضمون الرسالة وهي مرحلة تميزت به الرسالات السماوية المكتوبة بداية من إبراهيم عليه السلام حتى ما قبل محمد عليه الصلاة والسلام.

ونزل المنهج منشطرًا ومجزئا بين كتاب سماوي وبين الجانب الشخصي للرسول وهذا ما حدث مع كتاب التوراة وموسى ومع كتاب الإنجيل وعيسى ومع كتاب الصحف وإبراهيم وفي هذه المرحلة كان للرسول مساحة يتفاعل بها مع قومه خارج الكتاب فهو جزء من المنهج فقد يشرع موسى تشريعًا ليس موجودًا في التوراة لأن موسى مـٌكمـِل للتوراة، بمعنى إن التوراة ناقصة من غير موسى وسنة موسى ناقصة من غير التوراة لأن المنهج النازل منشطر بين شخص موسى وبين التوراة.

ثالثاً: يرسل رسولاً فيوحي بإذنه:

 والرسول هنا سماوي مثل جبريل مكلفًا يحمل كلمة الله وقوله معًا فلا تغيير بالصياغة من جانب المخلوق المصطفى من البشر، والقرآن الكريم هو الكتاب الذي نزل من ساحة السماء إلى الأرض بكلام الله (المعنى الكائن بالذات الإلهية) وقوله المصاغ بصياغة ربانية في المراحل الثلاثة وإن أتت على قول جبريل أو قول الرسول بصياغة خاصة للنقل تتناسب وطبيعتهما، فكان جميعهم قول الله ولكل منهما قوله في نطاق لسان الناقل والمنقول إليه، فكان من خلال جبريل كرسول بإذن الله ليحمل كلام الله وقوله للرسالة الخاتمة التي اختزلت المنهج كل المنهج في كتاب وهو القران الكريم، وهنا توقفت ساحة التفاعل النبي محمد مع قومه خارج الكتاب!!! لتكون مساحة التفاعل بين النبي وقومه في الرسالة الخاتمة من الكتاب دون غيره، فكان بشيراً ونذيراً.

 

القــــــــــــــــــــــــــــــــول في القرآن:

 فهو صياغة الكلمة التي داخل الذات بقالب لغوي عبر لغة محددة وهذا يتجلى في قوله تعالى:

{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} (سورة الأَنْفال 31)

 

وهنا يقولون (لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا) بما يعني أنهم يقصدون لصغنا قولاً مثل هذا، وهم يعلمون أنهم لا يمكن أن يصيغوا المعنى الكائن بالذات الإلهية، فعندما يأتي أحدهم مدعيًا أنه يمكن أن يأتي بقول له نفس الوزن والسجع القرآني تجده فارغًا من المعاني والدلالات التي تجعله يرقى للمطلق والمحكم، فالقول هو صياغة المعنى الكائن في ذات المتكلم في قالب لغوي بغض النظر عن إخراج هذا القول خارج الذات، فالقول قد يبقى داخل الذات أو جزء منه ولكن بعد صياغته، وهنا ينفي قول الله في هذه الآية أنه حكمة وأسطورة تاريخية أو متوارثة.

إذاً:

الكلام: هو الدلالة والمعنى الكائن في ذات المتكلم

القول: صياغة هذا الكلام بقالب لغوي عبر لغة محددة

فكل كلمة مقولة لابد أن تمر بمرحلتي الكلام والقول

وقد نأكد أن القول كصياغة له معنى مجرد واحد سواء من عند المخلوقات أو من عند الله، ولكن الفارق بين القرآن وما دونه يعود للفارق بين الله والمخلوقات، فالله سبحانه وتعالى يعلم علمًا مطلقًا حقيقة المعاني الكائنة في ذوات المخلوقات فهو يعلم ما في ذواتنا وقدرته في صياغة المعاني الكائنة في ذوات المخلوقات هي قدرة مطلقة

فمثلاً لو صاغ أحدهم قصيدة باغياً معنى ولو رددها أحد غيره بنفس الحروف والصياغة، فسيقولها كما هي بغض النظر عن إدراكه للمعنى الذي يقصده الشاعر ويكمن في ذات الشاعر، ولو جاء هذا الشخص المردد للقصيدة ليصيغها بشكل آخر أو بلغة أخرى وحاول أن يصيغها بالمعنى الذي أدركه هو.. فيكون قد صاغ شعراً في حدود إدراكه، وهنا يصبح قوله غير متطابق مع قول الشاعر وسيكون أدنى من قول الشاعر لأن الشاعر أعلم من غيره بما أدخله من معاني في القصيدة الأصلية، وماذا أيضاً يحدث إذا حولنا القصيدة إلى لغة أخرى.. هل ستحمل نفس المعاني التي كانت في ذات الشاعر؟

ولكن الله تعالى سيكون صياغته مطلقة لا تزيد ولا تنقص، فالآيات القرآنية التي تصور لنا قول المخلوقات والقصص القرآنية التي كانت لغاتها مختلفة تأتي في صورة مطلقة وبصياغة لغوية مطلقة للمعاني الكائنة في ذوات المخلوقات ومن هنا لم يكن مهماً معرفة اللغة المنطوقة حينها، ولكن ما يهمنا الصياغة المطلقة لحقيقة المعاني.

إذاً اللغة والصياغة التي نراها في القرآن بلسان عربي التي تصور الأحداث والقصص لا يشترط أن تكون بذاتها وبحرفيتها نطق بها شخوصها ولكن هي حقيقة المعاني المطلقة في ذوات القائلين وهي تلك المعاني التي يعرفها الله علماً مطلقاً، بل الصياغة الربانية لا يمكن أن يبلغها القائل ذاته.

إذن

الكلام: هو المعنى الكائن بذات المتكلم

القول: فهو صياغة الكلمة التي داخل الذات بقالب لغوي عبر لغة محددة يمكن الاحتفاظ بها وعدم النطق بها أو النطق بها بأي نوع من أنواع القول من خلال قول منطوق بلغة أو حتى إشارة أو إيماءة

وقد يخالف القول الكلام بأن نقول غير الكلام الكائن بالذات، فابتسامة المسرور قول يعبر عن الكلام، وابتسامة الحزين قول يناقض الكلام.

الحكمة وعلاقتها بالكتاب وهل القرآن حكمة قديمة وقصص موروثة:

الحكمة: ح: استخراج العلم والإحاطة بعلم جامع يصل لأغوار وعمق العلم، ك: وإدراك مدى التوافق بين هذا العلم وبين التطبيق الدنيوي له ويدرك قوة هذا العلم وقوانينه المتوافقة مع الأحوال الدنيوية، م: والقدرة على جمع أغوار العلم بأحوال الدنيا في إطار تطبيقي واحد، ـة: بإتقان تام لهذه الإحاطة بالعلم وتوافقه مع جمعه وضمه وتطبيقه في أحوال الدنيا بما يكامل ويفاعل بين هذا العلم وحركة الحياة الدنيوية في أقصى إتقان ممكن مع نسيج الحركة الدنيوية.

والكتاب الإلهي أدرك الرسل الحكمة منه بإحاطتهم بعلم بالرسالة وأدركوا التوافق بين هذا العلم وأحوال الدنيا وقوة تأثير هذا العلم وسلطانه على إتقان حركة الحياة الدنيا، أي حين يحوي القصص فهو يحوي الحكمة الإلهية منها التي لم يحيطوا بها من عاشوها.

فالكتاب والحكمة قرينان يتزكى الإنسان باستخراج الحكمة من الكتاب وإقرانها ومزاوجتها بصور التوافق بين العلم والدنيا ليحدث أفضل تأثير على أحوال الدنيا.

فإذا فقدنا استخراج الحكمة يكون قد احتجب عنا علم الكتاب وكذلك إذا فقدنا الحكمة فلا نتزكى ولا نقرن العلم الصحيح بأمور الدنيا، فيصبح الكتاب مهجوراً حيث بافتقاد الحكمة ستكون النتائج المترتبة على التطبيق هي نتائج سيئة ليست من الكتاب في شيء

فهل النتائج الحالية هي نتاج الحكمة من الكتاب؟!

فالحركة الإنسانية منشغلة حتى عن إمكانية استخلاص ما آتاهم الله من حكمة إلا من رحم ربي، فبالطبع حال زماننا حال أزمنة قبلنا فحق عليهم العذاب مثل عاد وثمود وفرعون وأصحاب الحجر.