القرد يحكم (الحلقة الثانية)

القرد يحكم  (الحلقة الثانية)

"الثعلب الأُلعبان وتجهيز حاشية الاستقبال"

وهكذا منذ بدأت خطة الضباع بأن يصبح القرد الصعلوك ملك الغابة، لكي يسرق لهم أبناء الحيوانات، وبعد أن سرب الفيل له الشك في أنه ما زال هو مجرد قرد وأنه مجنون، وبعد أن استعان الضباع بالثعلب والحمار والجاموسة الوحشية، وبعد إن استعانوا هم الآخرين بثلاثة ثعالب آخرين يسكنون جوار القرد وأصدقاءه وأصبحوا هم الوسطاء، والذي كان منهم الثعلب الأُلعبان الذي يريد هو الآخر أن ينضم إلى حاشية المملكة الجديدة.

 وبعد أن حددوا موعد المقابلة في مكان بجوار مسكن القرد الصعلوق في أُمسية هادئة يسودها الحب والوئام، وجاءوا له من أقصى الأدغال، وبالمكر أقنعوا القرد الصعلوك أن الثعلب المكار سوف يجعل كبار الحيوانات يدفعون للقرد الإتاوات، وأن الحمار سوف يعمل جميع الأعمال والأحمال والجاموسة سوف يكون معه ليل نهار ويستريح ولا يأتي لأمور المملكة سوى يوم أو يومين في الأسبوع وأنهم لكل من تسول له نفسه بالمرصاد.

وبعد أن اجتمع القرد الصعلوك مع كبار القرود ليساعدوه أن يكون يده العليا على الضِباع وأن يملك الغابة ويملك زمام الأمور، وأن يكون كبار القرود هم الوسطاء الذين يكبحون جماح الضباع، واقتراحهم للقرد الصعلوك أن يقدم للضباع هدية، وبعد أن انتفخت أسارير القرد وأقتنع أنه ليس بقرد، فسرق القرد عشرة من أبناء الأرانب، وتحرك كبار القرود وأوصلوا كل المطلوب فكانت للضباع عطية وفتح شهية.

وبات القرد ليلته في التفكير في حيوانات الغابة، هل سوف يقبلوه أم سوف يركبوه؟!!!

وعند الصبح الباكر امتطى ذيله وجعله حصانه وذهب مطأطأ الرأس للضباع وعليه علامات الاستكانة، فجعلوه ينتظر ساعة بعد ساعة، فتظاهر بالبرود حتى أصدروا فرماناً بأن يحكم القرد الغابة.

 فسارع القرد الصعلوك يمتطي ذيله المكلوب وجرى على الثعلب الاُلعبان، وطلب منه أن يتواصل مع الثعلب المكار وكل من سوف يتعاون من أجل التمهيد لاستقباله بالغابة وإعطاء الوعود بالانضمام للحاشية وجذب كل من لديه مطامع من أراذل حيوانات الغابة.

فبدأ الثعلب الأُلعبان بسرعة الاتصال بكثير من أفراد الغابة وقال لهم: أنه ينوي الانتقال إلى غابتهم ويريد مساعدتهم في إرساء المُلك لصاحبه القرد الصعلوك ليصبح من الملوك الفريدة التي بجميع الأمور مُحيطة، وأنه سوف يدعم كل من يساعد وأنهم سوف يصبحوا من الحاشية والتوابع، ومن هؤلاء الذي اعتمد عليهم الثعلب الأُلعبان، الخرتيت والجاموسة، والصقر، والثعلب المكار.  

فقال للخرتيت: أنك حجمك كبير ودورك عظيم في استقبال قردنا العظيم وتمهيد له الأمور وسوف يفسح لك الطريق فتجوب الغابة بدون رقيب ولا عتيد، وسوف تكون دائماً موضع عنايتنا.

فبدا الخرتيت سعيداً بأنه سوف يكون له دور كبير، وأنه سوف يجوب الغابة ويتبختر بأنه من سوف يمهد للملك الجديد الطريق، وأنه مَن سوف يحمل مشعل التعارف بين الملك وحيوانات الغابة.

وقال الثعلب الأُلعبان للجاموسة الوحشية: سوف يهتم القرد بأن تكون من الحاشية وسوف يأتي بك من أقصى الغابة لتجلس أمامه، أما الحمار سوف نأجل انضمامه لحاشيتنا، فذكراه مكروهة والمخاطر حوله محفوفة.

وقال الثعلب الأُلعبان للصقر: أيها الصقر العظيم هل سوف تحلق في السماء من أجل حاشيتنا الجديدة، فرد عليه الصقر وقال: إني في السماء محلقاً ومتفرجاً أراقب وأتأمل أحوال الغابة وأنا ليس تابعاً ولا متبوعاً، فحريتي أصل حياتي فقد ضاعت الغابة ولن تقوم لها قائمة.

فضجر الثعلب الأُلعبان من كلام الصقر وتخوفه من كلامه وقرر أن يجعله على الحياد حتى تكتمل الحاشية ثم يبعدوه عن الغابة، فقد يجعل وجوده مهابة ويصعب مع وجوده تشكيل العصابة.

فقال الثعلب الأُلعبان للثعلب المكار: جهز قومك من الثعالب فالملك قادم في الطريق، فصار الثعلب المكار يبشر بقدوم البطل المغوار، وبشر بإنقاذه للغابة وأنه بوجوده سوف تتبدل الأحوال، والسرقات سوف تكون سهلة المنال.

فتجهزت الغابة لترى مشهد قدوم الملك الذين يجهلون من هو ويجهلون حقيقته.

"الحية قادمة"

بعد أن أصدر الضباع فرمان للقرد الصعلوك أن يصبح ملك الملوك، وبعد أن انتظرت الحاشية ملك يروق لأحلامهم ويجمع شملهم ويشد من أزرهم ويقع في حِجرهم.

حضر القرد الصعلوك ووقف وسط الغابة ولم يجد من الحاشية المزعومة أحد في أول الأمر، حتى جلس على كرسي الملك، وبعث الحمام الزاجل للثعلب الأُلعبان، وسأله أين الثعلب المكار وأين الثعالب جميعاً وأين الخرتيت، أين من كانوا سوف يستقبلوني بالأزاهير والطبل والمزامير، ابعث إليهم فقد جلست على كرسي الملك، فكل الملوك غادروها من قبلي ولا خوف من أحد ولا مهابة ولا يوجد بجواري سوى ذبابة.

فتوالت الرسائل بالحمام الزاجل للحاشية، لقد استتب الأمر، فأقبلت الحاشية الجديدة تبارك للملك الجديد وتشجع حيوانات الغابة وتحثهم على استقبال القرد ملكاً له مهابة، وأخذوا يمدحوه في كل حدب وصوب، وأخذ القرد الأُلعبان باستكمال مسيرته في تقديم الوعود لكل صعلوك بأنه سوف يجلس بجوار كرسي الملوك.

وأعلن القرد الصعلوك أنه سوف يخطب في حيوانات الغابة فقال:

يا حيوانات الغابة، إن هذا يوم سعدكم، بأن أتولى أمركم، فأنا عيني مليئة ومن السرقة أيدي بريئة، وفي عهدي سوف ترون الخير وسوف أبعد عنكم الشر، ومشاكلكم من اليوم محلولة، فانسوا تلك الأيام المُظلمة، فسوف أرد كل مَظلمة.

وكانت خطبة عظيمة وأقوالها رصينة، فالثعلب المكار كان يجلس مستمعاً بكل وقار للملك المغوار، ومن خلفه الحيوانات، ما بين مندهش، وبين من هو سعيد بأنه أخيراً سوف يصبح مطلوب في حضرة الملوك.

 ثم انفض الجمع وبينهم همس ولمز، وبدأ القرد يمارس حكمه وأول أمر وفرمان أن يحضر الجاموسة ليكون جالس أمامه يصد عنه ويغلق عن مقتحم أبوابه وكل مُقلق لأحلامه، وتطوع الخرتيت بتقديم الحيوانات لحضرة الملك للتعرف على حيوانات المملكة، والكثير من حيوانات الغابة في إذعان طأطأوا رؤوسهم ومنوا بآمالهم نفوسهم.

وفي نهاية اليوم ذهب الملك إلى شجرته وهو يفكر كيف يكون ملكاً ليوم آخر ولا ينكشف ضعفه، وكيف سوف يتحكم في الأمور، وأي من الحيوانات سوف يستعين.

 فأوكل الأمر للثعلب الأُلعبان أن يجعل بجواره من يحمي قراره من الحيوانات اللئام والتي تتميز بالخسة والنُقصان، ومن سبق لهم الخيانة، ومن يتمنى بأن يأتي الحظ وصبح أمامه.

وبدأ الثعلب الأُلعبان يمارس مهامه بعيداً عن الغابة بالحمام الزاجل.

فأرسل للخرتيت والجاموسة والثعلب المكار وغيرهم ممن يعرفون الحية، ليعرضوا عليها أن تكون حاجب الملك، فتجلس بجواره وتدير أحواله وتتمتع بالزعامة، وتتواصل مع حيوانات الغابة ليدفعوا الإتاوة، فأبدت الحية تمنُعها، ولكن أبقت الباب مفتوحاً، فالقلب بالمكان مشغوفاً وملهوفاً، فسوف تعتلي الصفوف بعد أن كانت منبوذة، وسوف تعيد سمومها في جسد الغابة، وباتت تحلم الحية كيف سوف تحكم الغابة باسم القرد الصعلوك؟!!!!

 (يُتبع)

القرد يحكم (الحلقة الأولى)

القرد يحكم

يوماً قررت الضِباع أن تعرض على القرد حكم الغابة؛ بعد أن ورثوا المكر من الديابة، بشرط أن يسلم لهم بعض ما يسرقه من الغابة، وكان غرض الضباع أن يوهموه أن القرد أسد، ويضحكون على هذا القزم الذي سوف يتوهم أنه ملك الغابة ويسرق من أجلهم، ويقود إليهم السبايا من الضحايا، ففرِح القرد وصار يقفز على الأشجار وصدق نفسه أنه الملك المختار.

ولكن بعد قليل جاء الفيل

 فقال له القرد: أن الضباع عرضوا عليّا أن أكون ملكاً للغابة، فضحك الفيل، وقال: إيها المجنون الذي صدق نفسه أنه أسد؟!! وسار الفيل في طريقه، فجلس القرد ساكناً يفكر فيما قاله الفيل، هل حقاً انا ليس أسد الغابة؟!! فذهب للضباع وقال لهم ما قاله الفيل.

فقال له الضباع: انتظر حتى غداً وسوف تتأكد أنك ملك الغابة وسيدها.

فذهب الضباع وقابلوا الثعلب المكار وقالوا له: إننا بصدد أن نصدر فرمان بأن يكون القرد ملك للغابة حتى يسرق لك ولنا الطعام بلا مجهود، فرّحب الثعلب المكار وطلب منهم سرعة إصدار الفرمان، وأنه لهم من خادمين هذا القرار.

فقالت الضباع: أيها الثعلب المكار عليك الدور الكبير في إقناع القرد أنه ملك الغابة وأن تسانده في السرقة وتفتح له تلك البوابة، فوافق الثعلب المكار ورحب بخطة الضباع بكل انبهار.

ثم ذهبت الضباع لكل من الحمار والجاموسة وعرضوا عليهم فكرتهم الخبيثة، فرحبوا وهللوا، فأسد الغابة الحقيقي أصبح يراهم فريسة، فطلبت الضباع منهم أن يذهبا مع الثعلب ليقنعوا القرد أنه ملك الغابة.

فبعد أن أوهم الضباع هذا القرد الصعلوك بأنه ملك الغابة، وبعد أن سرب الفيل له الشك في أنه ما زال قرد وأنه مجنون، وبعد أن استعان الضباع بالثعلب والحمار والجاموسة في إقناع القرد أن يحكم الغابة، وبهد أن اجتمع كل من الثعلب المكار والحمار والجاموسة الوحشية، وتناقشوا في كيف نجعل القرد الصعلوك ملك الملوك للغابة.

فقال الثعلب المكار: نحن لابد أن نقتنع أولاً أننا بحاجة ماسة إلى هذا القرد أن يصبح ملكاً علينا، ويجب أن نتحالف معاً ونذهب إليه معاً، ولكي يقتنع لابد أن نذهب إليه راجين منه أن يحكمنا وينقذنا من الضياع وفي ذات الوقت نوضح أننا رجاله الذين سوف يساعدوه ويقفوا إلى جواره، وفي الحقيقة نحكم من خلاله ونسرق ما نريد ونجعل بقية الغابة عبيد.

فاقتنع كلاً من الحمار والجاموسة وسألوه كيف نذهب إليه وهو لم يعرفنا من قبل.

فقال الثعلب المكار: لي ثلاثة من الثعالب أصدقاءه من مناطق حوله في الغابة، ثعلبين كانا يسكنان بجوار الشجرة التي يتسلق عليه، وثعلب آخر يعرفه ويسكن بجوار المكان الذي كان يعمل فيه ويأكل منه، وسوف يمهدون إلينا اللقاء وسوف يحضرون معنا من أجل هذا الإقناع.

فما كان من الثعالب الثلاثة إلا أن رحبوا بأنهم سوف يكونوا الوسطاء بين الفرقاء، فكان منهما الثعلب الأُلعبان الذي يريد هو الآخر أن ينضم إلى حاشية المملكة الجديدة، وآخر يريده أن يرحل عن الشجرة حتى لا تزعجه أصواته، والثالث يريد أن يكون له فضل على الجميع.

وقد حددوا موعد المقابلة في مكان بجوار مسكن القرد الصعلوق في أُمسية هادئة يسودها الحب والوئام.

فبعد أن أوهم الضباع هذا القرد الصعلوك بأنه ملك الغابة، وبعد أن سرب الفيل له الشك في أنه ما زال هذا القرد وأنه مجنون، وبعد أن استعان الضباع بالثعلب والحمار والجاموسة في إقناع القرد أن يحكم الغابة، وبعد إن اجتمع الثعلب المكار والحمار والجاموسة الوحشية، وتناقشوا كيف نجعل القرد الصعلوك أنه ملك الغابة، وبعد إن استعانوا بثلاثة ثعالب آخرين أصدقاء القرد، وبعد أن رحبوا بأنهم سوف يكونوا الوسطاء بين الفرقاء، وكان منهما الثعلب الأُلعبان الذي يريد هو الآخر أن ينضم إلى حاشية المملكة الجديدة، وآخر يريده أن يرحل عن الشجرة ويستريح من أصواته، والثالث يريد أن يكون له فضل على الجميع، وبعد أن حددوا موعد اللقاء في مكان بجوار مسكن القرد الصعلوق في أُمسية هادئة يسودها الحب والوئام.

حيث بدأ اللقاء بالتعارف والترحاب وحينها، بدأ القرد الصعلوك يشعر بقيمته، وبدا سعيداً بهذه الأوهام أنه من الزعماء اللئام.

فقال الثعلب الأُلعبان: أيها القرد العظيم جاءك الضيوف الكرام الثعلب المكار ومعه الحمار وكذلك الجاموسة من أقصى الأدغال، من أجل أن يستعطفوا كرمك الخجول بأن تقبل أن تكون ملك الغابة، وتخلصهم مما هم فيه من قهر واضطهاد والظلم والاستعباد.

هنا لاحقه الثعلب المكار فقال: نعم نحن جئناك لنعرض عليك أن تشملنا بعطفك وتقبل أن تكون ملِكنا وحاكمنا ونحن طوع أمرك، وسوف نجعلك تزور منطقة كبار الحيوانات وما بها من إنتاج الذين سوف يهدون إليك الهدايا والعطايا حينما يعلمون أنك أمسكت بزِمام الأمور، وسوف اجعلهم يدفعون لك الإتاوة.

وهنا نطق الحمار وقال: إنني كنت أنا من يعمل جميع الأعمال ونحن سوف نكون معك وسوف نعمل ليل ونهار ولتجلس مستريحاً في مسكنك ولا تأتي سوى يوم أو يومين في الأسبوع ونحن لكل من تسول له نفسه سوف نعامله بالسوط كجربوع.

وقال الجاموسة: وأنا سوف أحرسك ولن أبارحك، فكل ما في الأمر أن تُعيدني أنا والحمار إلى أماكننا التي منعونا منها وجعلونا نلوذ بالفرار، وسوف تجدنا في خدمتك وطوع أمرك وتحت إمرتك.

وهلل الحاضرون في همهمة المنتصرين مع ابتسامة القرد وإبداء القبول، وبدأت أسارير القرد تنتفخ، وقرر أن يجتمع مع كبار القرود ليساعدوه أن يكون يده هي العليا على الضِباع وأن يملك الغابة ويملك زمام القوة والسلطان، بأن يكون كبار القرود هم الواسطة ويحملوا الرشوة للضباع التي تكبح جماحهم وتلهث ألسنتهم، فذهب إلى كبار القرود وعرض الأمر عليهم، وقص عليهم ما كان من الزوار الذين يرجون الموافقة منه أن يكون ملِكاً عليهم.

فقال كبار القرود: أيها القرد الصعلوك إنك غير قادر أن تكون ملِكاً في بيتك فكيف تكون ملِكاً على الغابة، ولك منا النصيحة بأن لا تغادر مسكنك، ومع ذلك سوف نتوسط بينك وبين الضباع، ولكن كي لا يغدروا بك، يجب أولاً تعطيهم رشوة في صورة هدية، فتسرق لهم عشرة من الأرانب وسوف نعطيها لهم ليصدروا فرمان بأن تكون ملِكاً للغابة، على أن تعطيهم ما بين الحين والحين ما تُغلِق به فمهم، وتُبعِد عنك مخالبهم.

وتحرك كبار القرود وأوصلوا كل المطلوب وأصبح القرد الصعلوك جالساً متلهفاً صدور الفرمان وكيف سوف يتعامل مع حيوانات الغابة، وهل سوف يقبلوه أم سوف يركبوه.

كلمة لِباس في القرآن الكريم

 

قال تعالى: { وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا } (سورة النبأ 10)

{ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ } (سورة البقرة 187) } (سورة البقرة 187)

{ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } (سورة الأَعراف 26)

{ يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا } (سورة الأَعراف 27)

{ وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } (سورة النحل 112)

{ إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } (سورة الحج 23)

{ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا } (سورة الفرقان 47)

{ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا } (سورة النبأ 10)

مقدمة:

كلمة المصدر للفظ لباس هو "لبس" ومن مشتقاتها يلبسون ولباسا، وسوف نبدأ بكلمة المصدر من خلال خصائص الحروف لأن الكلمة جاءت في سياقات مختلفة، تحتاج دراسة اللفظ بعيداً عما هو دارج بين ألسنتنا.

لبس:

اللام هو حرف الانتقال من نطاق لنطاق ليحدث تواصل وتلاحم بين المنتقل إلى المنقول له، هذا الانتقال والتواصل والتلاحم عندما يلحقه الباء بما يعني أنه تواصل ظاهري أو بادياً على الشيء المنقل إليه أي خارجه، ثم تأتي السين لتحدد أن الانتقال والتلاحم والتواصل الظاهري أو البادي على الآخر بذات مقياس المنتقل إليه الباطنة.

لذلك نستعمل لبس كون الملابس عموماً تنتقل لتتلاحم وتتواصل مع جسد من يلبسها وتكون ظاهرة عليه وبذات مقياسه، ومن هنا يمكن فهم كلمة لباس بكامل تشكيلها.

لِبَاسٌ

هنا اللام مكسورة أي هذا الانتقال يكون بخروج الأول عن الآخر، بمعنى أوضح في قوله: " هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ" هن ينتقلوا لنطاق جسدكم فيتلاحمون ويتواصلون بظاهرهم الجسدي مع ظاهر جسدكم والعكس، فتتآلفوا معاً بمقاييس شهواتكم التي تتواصلون من خلالها لتنقي هذه الشهوة من أي حرام تصيبه خارج العلاقة الزوجية.

لذلك أعقبها قوله تعالى " { عَلِمَ اللهُأَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ } (سورة البقرة 187)

 وهنا قبل أن نغادر ربما نحتاج أن نتناول قوله تعالى: " وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا" ليتضح المعنى في سياق آخر، حيث أن هنا أيضاً اللَّيل هو أجزاء من الانتقالات المتعددة فاللَّيل في اللام الأولى توجد الشدة التي توضح انه ينتقل على شكل أجزاء وآخر أجزاءه ما يتلاحم ويتواصل بسطح الأرض ولذلك كان لِبَاسًا، ينتقل من نطاق لنطاق حتى يتلاحم بكل طبقة في كل طبقة يُطبق على ظاهرها بكامل مقياسها فيصبح كامل الأفق متلبساً بهذا الليل، وبالطبع لو كنت خارج الكرة الأرضية سوف يكون الجزء الليلي مكسياً تماماً بالليل.

ولا يمكن مشاهدة أنوار الأرض إلا من داخل الغلاف الجوي، وأي صور لأماكن مضيئة على الأرض لابد وأن تكون من داخل الغلاف الجوي فقط.

الرؤية بدون فعل هي مجرد حلم

 


لدي قصة سأقصها عليكم، إنها مستوحاه من كتابات "لورين أيزلي"، كان إيزلي رجلً متميزاً لأنه جمع بين صفتين متميزتين: العالم والشاعر، ومن هذين المنظورين كتب بعمق عن عالمنا، وعن دورنا فيه:

في الماضي كان هناك رجل حكيم مثل "إيزلي" نفسه كان يذهب إلى المحيط ليكتب وكان من عادته السير على الشاطئ قبل أن يعمل، ذات مرة أثناء سيره على الشاطئ، نظر إلى الرمال ليرى هيئة الإنسان يتحرك كأنه يرقص، ابتسم لفكرة وجود شخص يرقص لرؤية النهار، فبدأ يسير بسرعة ليلحق به، وعندما اقترب منه وجده شاباً، ولم يكن الشاب يرقص لكنه كان ينحني ليلتقط شيئاً من الأرض وبمنتهى اللطف يقذف به في البحر، عندما اقترب أكثر صاح قائلاً: "طاب صباحك ماذا تفعل؟" توقف الشاب ورفع رأسه ورد قائلاً: "ألقي بنجمة البحر في المياه"، وكان عليّ أن أسأل عن السبب في ذلك، قال الشاب: "والشمس تتوسط كبد السماء والمياه تنحسر"، "وإن لم ألق بها في المياه ستموت"، "لكن ألا تدرك  أن الشاطئ يمتد لأميال وعليه نجوم بحر؟، ما تفعله لن يشكل أي فرق، استمع الشاب بأدب، ثم انحنى ليلتقط نجمة بحر أخرى، وألقى بها في المياه وراء الأمواج المتكسرة، لقد أحدثت فرقاً لهذه النجمة بالتحديد، رد فعله أدهش الرجل، فقد شعر بالضيق وعجز عن الرد، لذا فقد قفل راجعاً ليبدأ كتاباته، طوال اليوم أثناء كتاباته طاردته صورة هذا الشاب، حاول أن يتجاهلها لكن الصورة لم تبارحه وأخيرا، قرب نهاية اليوم، أدرك أنه وهو العالم والشاعر لم يدرك حقيقة تصرف الشاب، غذ أدرك أن الشاب قد اختار ألا يكون مجرد مشاهد في الكون وألا يتركه يمر من أمامه، بل اختار أن يكون عضواً فعالاً وأن يحدث فرقاً، وشعر بالحرج، ونام ليلتها وهو يشعر بالضيق وعندما طلع النهار، استيقظ وهو يشعر بأن عليه أن يفعل شيئا، فنهض وارتدى ملابسه وذهب إلى الشاطئ، ووجد الشاب، وقضى بقية النهار معه، وهما يلقيان بنجوم البحر في المياه.

 إن تصرف هذا الشاب يمثل شيئاً خاصاً بداخل كل منا، فكلنا لدينا الموهبة لأن نحدث فرقاً، وإن تنبهنا لهذه الموهبة مثل ذلك الشاب، سنحصل من خلال قوة رؤانا على القوة التي تعيد تشكيل مستقبلنا، هذا هو التحدي الذي يواجهك، ويواجهني.

يجب ان يجد كل منا نجمة البحر الخاصة به، وإذا رمينا نجوم البحر بحكمة فغني أثق تماماً أن القرن الحادي والعشرين سيكون مكاناً رائعاً.

تذكروا أن الرؤية بدون فعل هي مجرد حلم، وأن الفعل بدون رؤية مضيعة للوقت، لكن الرؤية مع الفعل قد تغير العالم