ما معنى الحمدلله، واحمد ومحمد ومحمود؟!

الحمد هو الزوج المقابل لنظام الأمر الإلهي، فالحمد لله والأمر لله، كلاهما لله كما أن أسماء الله تعالى بمثابة أنظمة وقوانين إدارة هذا الكون، إلا أن نظام الحمد يأتي فوق علم الملائكة المكلفين بتنفيذ الأمر الدنيوي من حاملي التكليفات بخدمة الإنسان والسجود لآدم.

فإن سجود الملائكة لآدم من حيث خضوعهم لأمر الله، لهم بأن يكونوا في خدمة آدم من بدايته في الدنيا إلى نهايته فيها كان يشمل الأوامر المعلومة لهم والمكلفين بها طبقًا لما هو بأم الكتاب والذي سطره القلم والذي به كل شاردة وواردة في هذا الكون طبقاً لما قدره الله.

فإن كل اسم أو صفة أو فعل إلهي هو من هذه الأنظمة الإلهية الذي جعل الله عليها ملائكة تقوم بتنفيذ هذه الأوامر الإلهية.

 فما أن يدعو الإنسان بطلب ورجاء بأحد أسماءه أو بحمده وتسبيحه فقبول الطلب والرجاء بتسخير الملائكة في تلك الأنظمة والأوامر الإلهية لهذا الطالب المقبول دعوته بإتمام حاجته.

إلا أن نظام الحمد بمثابة جزء من العلم الإلهي الكائن بذاته والذي يتم تكليف ملائكة نظام الحمد الذي لم يطلع عليه الملائكة المكلفين بالأوامر الدنيوية وليس مسطورًا لهم لتنفيذها بمقدار علمهم، ليلة القدر بمثابة أحد تطبيقات نظام الحمد، حيث قال تعالى:

قال تعالى:

{لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: 3 -5]

حيث تتنزل الملائكة الموكلين بنظام الحمد لتحقيق رجاء الطالب والروح فيها، فيقدسون لله لتبديل الأمر المكلف به الملائكة الموكلين بخدمة الطالب الراجي، فيغيروا من خلال تلك الروح طاقة الراجي ولروحه والأوامر المختزنة في خلاياه الجسدية وما حوله وذلك بعد أن طهر النفس واستعد لاستقبال المنحة الإلهية وتحقيق طلبه وتغيير الأمر السابق الذي استغاث بالله منه.

ولفهم خصائص ومعاني ودلالات نظام الحمد من خلال حروف كلمة (حمد)

الحمد:

(ح): حجز الأذى عن عباده أو حيازتهم لخير بعلم الله المحيط بحاجة عباده وبأحوالهم وأغوار حياتهم، (م) فيجمع ويضم هذا الخير لعباده ويتداخل ويتفاعل في حياتهم فيحل هذا الخير على أذى سابق أو بدلاً من حال سيء يحدث أو متوقع حدوثه، (د) بقصد إلهي تغيير أحوال عباده لحال مغاير عن حالتهم الأولى وبأدلة وبراهين وقوانين إلهية مطلقة تقوده إلى صلاح أحوالهم.

فكان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم من ضمن نظام الحمد الذي رزقنا الله، وكان دليله وبرهانه القرءان الكريم بصياغة إلهية تحوي الحق المطلق وأوامره، فكان أحمد في موضع البشارة، وكان محمداً ممدًا وبمعيته رسالته، ومحمودًا برحيله عند دنيانا وموصول برسالته ودعوته.

لماذا بشر عيسى عليه السلام قومه بأحمد وليس محمد؟!

قال تعالى:

{وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الصف: 6]

فالاسم في القرءان الكريم يحمل مركز وعمق خصائص المسمى به، فكان رسولنا مركز وعمق خصائص دعوته ورسالته جزء من نظام الحمد الإلهي لإنقاذ البشرية من خلال إحاطة الله تعالى بعلم بحاجة المجتمع لهذا العلم تم جمعه وضمه بأمر الله في قالب واحد من خلال الرسول فيما يعرف بالكتاب (القرءان الكريم) هذا الكتاب ذو المقام المقدس لتنفيذ الأمر الإلهي في مكان وميقات محل تنفيذ الأمر الإلهي الحمد، فكانت حركة الرسول وقصده في الدنيا تنفيذاً للأمر الإلهي وقصده في تنفيذ الحمد بدليل وبرهان وكتاب إلهي بإذن من الله وأمره.

 فكان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم من ضمن نظام الحمد الذي رزقنا الله، ذو المقام (رسول من عند الله حاملًا لرسالة وكتاب مبين) لتنفيذ الأمر الإلهي في مكان وميقات محل تنفيذ الأمر، وكان دليله وبرهانه القرءان الكريم بصياغة إلهية تحوي الحق المطلق وأوامره.

فكان اسمه أحمد: حين كان رسولنا في علم الله الكائن بذات الله وكان حرف الألف المضاف إلى كلمة حمد من خلال دلالة وخصائص الحرف بمثابة تأليف أمور الخلق وأحوالهم وضبط تلك الأمور لاستقبال حمد الله الذي قدره لنا، فكان في وضع التبشير به على لسان عيسى عليه السلام اسمه أحمد وتأليف وضبط الأمور الدنيوية له وضبطها لاستقبال الرسالة.

لماذا أصبح اسم رسولنا محمد وليس أحمد كما بشر عيسى عليه السلام؟!

قال تعالى:

{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} [محمد: 2]

كان اسمه محمد: فكان حرف الميم بخصائصه ودلالاته بدلًا من الألف حيث انتهت عملية تأليف المجتمع وضبطه لاستقبال الرسالة، وجاء فعل خصائص الميم ليصبح في قالبه الدنيوي في مقام ومكان وميقات تبليغ دعوته كجسد، وفي معيته جاء قالب الكتاب بما يحوجه من علم الله المطلق، فأصبح الأمر الإلهي مُجسدًا تجسيدًا ماديًا مجموعًا في كتاب ومتداخلًا في قلب الرسول ومن وصلتهم رسالته.

متى أصبح اسم محمد عليه الصلاة والسلام محمود؟!

قال تعالى:

{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79]

أصبح اسمه محمود: حين فارق قالب الجسد عن الدنيا وبقي قالب رسالته (الكتاب) وتم إضافة الواو لاسم محمد لإضافة خصائص حرف الواو كونه أصبح واصل بين ضدين الدنيا والآخرة حيث رحلت نفسه، وبقيت رسالته في الدنيا فيما بيننا فيتوسط برسالته بين الدنيا والآخرة بين لا رابط بينهما فأصبحت تلك شفاعته باتباع رسالته، فظلت صلتنا به محمودًا كوسيلة للوصول لغايات الآخرة فكانت الشهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله.

فأمر الله وحمد الله كلاهما أوامر الله، فعندما يبتلى أحدهم يقول الأمر لله، وحين يتم إنقاذه من ابتلاء كأن يفرج همه أو ينقذه من دين أو من حادث يقول الحمدالله.


ما الفرق ما بين حضور ومجيء الموت في القرآن الكريم

قال تعالى:

{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} [البقرة 180]

{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ} [المؤمنون 99]

جاء، كلمة المصدر (جيء)، وحضر هي ذاتها كلمة المصدر.

ويجب أن نعلم أن الموت هي حالة قبض للنفس وجمعها وتداخلها وتواصلها مع عالم آخر جديد يتمم ويكامل أحوالها، ولنا موتتان، الموتة الأولى بقبض النفس ووضعها في جنين وجسد دنيوي، وموتة ثانية فيها يتم قبض النفس لتتوفى بعد ذلك إلى ربها في عالم الآخرة ليتم إحيائها في جسد أخروي، وأن حالة قبض النفس في كثير من الآحيان لها مظاهرها، ولها أحوال فيها يجيء الموت أو يحضر.

والآن فلنعي ما معنى حضر وجاء:

حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ:

(حَ): إذا أصبح الموت في حيز محدد ومعلوم وأحاط أحدكم، فصار محصورًا أحدكم في حالة الموت فصار في حالة احتضار، (ضَ): حيث يضمر ويَضْعف وأصابه الضرر الشديد فلا يمكن أن يصمد فتضيق عليه الدنيا (رَ) فتتحكم فيه وتسيطر عليه حالة الاحتضار دون انفصال عن الدنيا فتتماهى مؤثرات الموت فيكون بأقل رابطة بينه وبين الدنيا.

جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ:

(جَ): اجتمع فيه حالة الموت في أشد حالات الموت إجمالًا فأصبح جاليًا وظاهرًا عليه (اء): في جلاء مستمر بأحوال من مظاهر الموت في أقصى درجات جلاءها ووضوحها.

إذن حضور الموت ينبني على إدراك أن الموت محيط به وأنه في حيز ميقات للاحتضار التدريجي لوجود مؤثرات تجعل في النهاية قبض الروح حتميًا كون أن هذه المؤثرات سيطرت على جسده، مثل مرض عضال وصل لقمته فبدأت أجهزته تتهالك، أما إذا جاء الموت فهو قمة جلاء حالة الاحتضار حيث تجمعت جميع الأسباب المؤدية للموت في لحظاته الأخيرة.

فحضور الشيء يتخذ وقتًا حتى وصوله لوجهته أما جاء فقد اجتمع عند وجهته.


والأرض وضعها للأنام - ما هي الأنام؟!!!

مصدر الكمة (ءنم)، ومعنى كلمة المصدر هو توافق وتآلف وتأليف مادية مختلفة أو متعددة لإنتاج من خلالها منتج آخر منفصل عن المواد المشاركة في الإنتاج بجمعهم وضمهم وتداخلهم في إطار أو قالب واحد.

لِلْأَنَامِ:

قال تعالى:

{وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ} [الرحمن: 10]

(لِ) استخراج أو إخراج كل مادة من تلك الأرض لتتلاحم وتتواصل بنسيج حركة من نطاقها الأصلي لتنتقل من حالتها الأولى أو كمادة خام، (لْ) لتتلاحم وتتواصل وتتآلف مع مواد أرضية أخرى ساكنة (أَ) لتتآلف وتتوافق كمواد مختلفة أو متعددة، (نَ) لإنتاج من خلالها منتج آخر منفصل عن المواد المشاركة في إنتاجها، (مِ) بجمعهم وضمهم وتداخلهم في إطار أو قالب واحد لتخرج إنتاج أفضل، وأكثر تأثيراً وأنشط وأكثر.

والوضع هو الوصل بين ظاهر وباطن من مواد ليضبهما ببعضهما البعض ليكشف ما هو خفي ولم نكن ندركه بعد

مثال تطبيقي:

سوف نضع مثال للشجرة على هذا التعريف لنرى كيف يكون:

استخراج الماء والأملاح والأزوت من تلك الأرض لتتلاحم وتتواصل بنسيج حركة من نطاقها الأصلي في باطن الأرض الساكنة لتنتقل من حالتها الأولى أو كمواد خام، لتتلاحم وتتواصل وتتآلف مع البذرة لتتآلف وتتوافق كمواد مختلفة أو متعددة، لإنتاج من خلالها منتج آخر منفصل عن المواد المشاركة، بجمعهم وضمهم وتداخلهم في إطار أو قالب واحد لتخرج شجرة كإنتاج أفضل وأكثر تأثيرًا على حياة الناس وأنشط فسوف تعطي ثمر باستمرار.

هكذا في كل إنتاج من مواد الأرض يتم بذات الكيفية لذلك استتبعها قوله تعالى: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾

﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾

هل إسرائيل هو ذاته يعقوب عليهما السلام كما يدّعون؟!

قبل الإجابة يجب أولًا الوعي بأن كل اسم بالقرآن له معنى خاص، وأن معظم ما جاء من أسماء للرسل وللأشخاص ربما لم يكن نفس الاسم أو النطق في لغته الأصلية، فسوف نستعرض أولاً معنى اسم اسرائيل ويعقوب.

معنى وصفة اسم إِسْرَائِيل  

(إِ): قدرته التي فضّله الله بها بأن يؤلف ما بين مواد خلق الله وسننه وقوانينه فيها ليستخرج شيء أعجب وأغرب وأنشط وأكثر تأثيرًا، (سْ): من خلال بلوغ تلك السنن والقوانين الدنيوية بتلك المواد والتي تمكنه من ( رَ) والربط بين تلك المواد والسيطرة والتحكم فيها، (اء) ثم يعود فيؤلف بين ما وصل إليه من علم دنيوي بمواد أخرى وسنن أخرى لمراحل ضبط لهذا التآلف متعدد ليصير كل ابتكار أو اختراع في كل مرة أغرب وأعجب من سابقاتها، (ل) بل وينقل هذا الابتكار من نطاق استخدام دنيوي إلى نطاق دنيوي آخر في نسيج حركة الحياة، أي من تطبيق دنيوي لتطبيق آخر.

فإذا كنا بصدد ما فضله الله للبعض من بني إسرائيل فهو ما يحققوا به العلو الدنيوي من خلال ذات صفة إسرائيل، فنحن أمام من يقودون العالم لحضارات في أزمنة مختلفة، إلا أنهم في نطاق ما يفسدون في هذا العالم ليحققوا العلو لأنفسهم إلا أن إسرائيل بتكريمه في القرآن يعد شاهدًا على من أفسدوا في الأرض من ذريته، حيث قال تعالى:

{وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء 2 – 3]

ويتضح هنا أن بني إسرائيل ذرية من تم حملهم مع نوح عليه السلام، وأن جذورهم ممتدة في التاريخ البشري وليس كما يدعون.

فقد هرب البعض إلى أن يعقوب عليه السلام هو إسرائيل، وغيرها من التأويلات التي لم تحل لغز تصنيفهم بأنهم بني إسرائيل، فلا يوجد في القرءان الكريم سوى بني آدم وبني إسرائيل، فهل انقطعت الذرية كما قال البعض قبل يعقوب عليه السلام، أم يعقوب عليه السلام ليس من بني آدم.

وهل يعقوب كان هو من ركب مع نوح السفينة؟، أو لم تأتِ بعد الطوفان ذرية إلا من خلال بني إسرائيل؟!! وهل نوح عليه السلام بُعث لكل أهل الأرض والطوفان أهلك كل أهل الأرض؟! وإذا كان كذلك؛ هذا يعني أن كل أهل الأرض بني إسرائيل؛ أسئلة وتأويلات لا تفي بالإجابة على السؤال، ولكن لابد أن نتبع منهج فهم بعيد عن اليهود، ولكن من الكتاب ذاته، لنعي ما يميز هذه السلالة دون غيرها أو أصحاب صفة إسرائيل كما اتضح من خلال معنى الاسم.

وليس كل بني إسرائيل بالطبع مفسدون فمنهم بالتأكيد الصالحين وهناك بالطبع من أرادوا بما فضلهم الله به أن يكونوا سادة على الشعوب وأن يحكموا هذا العالم ويتحدوا مع الشيطان ليحققوا علواً على باقي البشر، ومنهم السامري الذي صنع لهم عجلاً له خوار بعلمه الذي آثره عن غيره من قومه ليفتنهم به، حيث قال تعالى:

{قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} [طه: 95 – 96]

فعقل هؤلاء من بني إسرائيل الابتكاري الذين فضّلهم الله به ليس فقط ناتج عن تلك التجارب التي يجربونها في عالم المادة، ولكن أيضًا عن نشوء الفكرة التي تهاتفهم ليخوضوا تلك التجارب، فالجميع يملك ذات الأفئدة ولكن هذا المميز في هذه الصفة بالطبع لا يمكن أن يكون ظهور العلم من خلالهم في عملية عبثية، وغير مرسلة لهم كفتنة لأشخاصهم على المستوى الفردي، ولمن يستعملون ابتكاراتهم على الجانب الجماعي، وقبل أن نخوض في كيفية انتقال السنن الدنيوية من حضارة منتهية إلى حضارة أخرى من خلال تلك المميزين عن غيرهم لابد أن نوضح مثال تطبيقي لمعنى حروف وصفة إسرائيل.

مثال تطبيقي دنيوي:

يوضح صفة اسرائيل وصفة من اخترع الكهرباء كمثال:

لو طبقنا المعنى على سبيل المثال على مخترع الكهرباء وسوف نضع نفس معاني كلمة إسرائيل ولكن على الكهرباء كابتكار دنيوي مكنه الله منه فكيف تكون؟!

 (إِ): قدرته التي فضّله الله بها بأن يؤلف ما بين مواد خلق الله وسننه وقوانينه فيها ليستخرج الكهرباء كطاقة أعجب وأغرب وأنشط وأكثر تأثيرًا، (سْ): من خلال بلوغ تلك السنن والقوانين الدنيوية لتلك الطاقة والتي تمكنه من (رَ) الربط بين تلك الطاقة والسيطرة والتحكم فيها للإضاءة، (اء) ثم يعود يؤلف بين ما وصل إليه من علم دنيوي بمواد أخرى وسنن أخرى لمراحل ضبط لهذا التآلف متعدد ليصير كل ابتكار أو اختراع مرتبط بتلك الطاقة الكهربية، مثل الراديو والتليفزيون والمحمول... الخ، في كل مرة يكون من خلال ربط تلك الطاقة الكهربية بمواد أخرى يكون أغرب وأعجب من سابقاتها كالكمبيوتر وغرف التحكم والمراقبة، (ل) حيث ينقل هذه الطاقة الكهربية من نطاق استخدام دنيوي إلى نطاق دنيوي آخر في نسيج حركة الحياة، أي من تطبيق دنيوي لتطبيق آخر، فينقلها من طاقة كهربية لطاقة تبريد وطاقة حرارة وطاقة حركة... الخ.

وهكذا بذات تعريف صفة إسرائيل قمنا بتعريف صفة من اخترعوا الكهرباء ومن تلاهم من مبتكرين.

والآن لنعي ما صفة يعقوب وهل هناك علاقة بين صفة إسرائيل ويعقوب.

معنى وصفة اسم يعقوب 

(يـ) يستخرج من خلال مراحل الحدث الأشد تأثيرًا من غيرها والأحداث الغريبة والطارئة، ومن مراحل تغيير الحدث والأحداث الشاذة والعجيبة  (ع) فيكتشف ويستخرج علم خفي غير مُدرك من خلال تلك الأحداث ومن خلال حالات التغيير في تلك الأحداث وبما يطرأ عليها (ق) وباستخراج هذا العلم من أصل الحدث ودمجه باستخراج آخر من حدث آخر، فيصل لنتائج اندماج الأحداث (و) فيجمع ويصل لخواص الحدث الظاهرة والباطنة، ويصل ما بين ظاهر الحدث الحالي وباطنه الذي سوف يؤول إليه (ب) فيظهر له ويبدو على الحدث أو من داخل الحدث هذا الاستخراج والكشف ظاهراً له باديًا وواضحًا ما سوف يحدث في المستقبل.

وهذا ما يعرف بعلم الحديث أو قراءة الحدث في قوله تعالى:

{وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 68]

إذن إسرائيل كان متميزًا بما أنعم الله عليه وفضله على غيره بكونه كان خليفة في الأرض قادرًا على تخليق أشياء وقوالب جديدة من مادة الأرض، من خلال قوانين الله التي بلغها، وكان في التزامه بقوانين الله في استعمالها وعدم العبث وإفساد الكون شاهدًا على بني إسرائيل الذين حملوا نفس الصفة في التفوق في هذا المجال العلمي الدنيوي وقدرتهم على ابتكار أشياء جديدة لا يتصور أحد بلوغها قبل ابتكارها.

{وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32) وَآَتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآَيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (33) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (36) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} [الدخان: 32-37]

ولكن معظمهم ينحرفوا بعد أن أتاهم الله البينات وأرادوا أن يحققوا منافع خاصة بهم بما ميزهم الله به عن باقي الخلق، ومنهم السامري، لذلك كان رسلهم يبعثون بما هو أعجب وأعجز عن كل ما بلغوه من علم دنيوي استأثروا به، فمنهم داود وسليمان وموسى وعيسى كشهداء عليهم يوم القيامة فقد بلغ سليمان قمة العلم وقمة الآيات الدنيوية ولم يكفر، ولكن الشياطين من الجن والإنس كفروا وكذلك موسى وعصاه وعيسى وقدرته على تخليق الأشياء من مادة الأرض وغيرهم.

وبني إسرائيل في زماننا، ما زالت لديهم القدرة على استخراج تلك القوانين والآيات وهم ملكوا تلك التكنولوجيا الهائلة التي استأثروا بها وجعلوها وسيلة للتحكم في العالم فعلوا علواً هائلًا، ففتنتهم استخراجهم واستئثارهم بهذه الآيات وإفسادهم للأرض بها بدلًا من نفع البشرية بها، وفتنتنا استعمال ما قدموا لنا على حاله الفاسد.

فكانوا بني إسرائيل كونهم فضلهم الله بما فضل إسرائيل، مهما تفرقت ذريتهم؛ فيجتمعوا بعلومهم لينفذوا خططهم وتزداد سيطرتهم وهم يشعرون بذاتهم ويتفاضلون بعلمهم على من هم غيرهم، ومن شاركهم في بغيهم وتفاضل على غيره بما لديه حمل صفتهم.

ويبقى لنا أن نعي أن بني إسرائيل جمعوا العلم الحالي من خلال نوعين أساسيين:

الأول: من خلال الرسل من الملائكة هاروت وماروت.

الثاني: مما تتلو الشيطان على ملك سليمان.

وهذان النوعان لابد من إفراد موضوع خاص بهما.

فما يوجد فيما يسمى إسرائيل الحالية هم عبيد بني إسرائيل وأغبى عبيدهم من شعب اليهود، فبني إسرائيل هم القادمين بجيوشهم، وسوف نختصر المعنى لأقصى درجة:

إسرائيل:

إ: يستخرج التوافق من

س: السنن الإلهية الدنيوية (آيات الله في الكتاب المنشور)

ر: فيتحكم ويسيطر من خلال

اء: إعادة توافقها مع بعضها البعض

ي: واستخراج ما هو أعجب وأعقد وأكثر تأثيرًا

ل: فينقل ما استخرجه من هذه السنن من نطاقها إلى نطاق التطبيق في عالم المادة والتواصل معها

فهذه صفة إسرائيل وجاء من بعده من يحملون ذات الصفة، فهم على علمٍ على العالمين، ولكن كانت عليهم ابتلاء تلك السنن والآيات، فيفسد منهم من يفتتن، فيؤمن بالعلم ويكفر بما دونه، حتى يصبح عبداً للشيطان. وهم الآن في حياتنا الحالية هم على قمة العالم وهم مخترعيها والمتحكمين من خلال التكنولوجيا، وليس هم الشعوب على آية حال، وعليهم أن يأتوا جميعاً ليتلقوا الوعد الثاني.


ما الفرق بين اليم والبحر؟!


هذا الفارق سوف يوضح أن النيل كان متصلاً بالبحر الأحمر 

الْيَمِّ:

أصل الكلمة يمم، أي يستخرج أو يُخرِج شيء فيجمعه ويضمه إليه ويكرر هذا الاستخراج والجمع والضم، وقد ورد لفظ الْيَمِّ بنفس التشكيل بالقرآن الكريم ما عدا الْيَمُّ في سورة طه الآية 39، حيث قال تعالى:

{فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} (سورة الأَعراف 136)

{أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ} (سورة طه 39)

{وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا} (سورة طه 97)

{وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} (سورة القصص 7)

{فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} (سورة القصص 40)

{فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ} (سورة الذاريات 40)

الْيَمِّ هنا يوجد به صفة أنه يتم خروج الماء إليه وجمعها وضمها فيه من روافد مختلفة فما يتم جمعه فيه يمر ويجري هو أيضاً في مساره.

إذن الْيَمِّ يجري في نفس الاتجاه والمسار للماء الوارد إليه ويستمر في ذات اتجاه سريانه في عملية مستمرة، وهنا يصبح النيل بالتعبير القرآني يم.

إلا أن ذات الْيَمِّ أصبح الْيَمُّ حين ألقى الوليد بالساحل، حيث تحول هنا من صفة الجريان للماء إلى الوصل بين الوليد والساحل فصارت الميم مضمومة، وتغير حال النهر فلم يجري به لمسارات لا تتوقف كما هي صفته الأساسية، فاختلف التشكيل.

البحر:

البحر له معاني أهمها بحر علم وما بين البحر علم وما بعد مجمع البحرين محيط علم، فالبحر هو ما بدى لنا من محيط وارتبط به، فكما هناك بحر من الماء بادي من محيط فهناك بحر من العلم الدنيوي يبدو لنا من عالم المادة بادي لنا ندرك منه ما نستطيع ولكن من خلفه محيط علم أعمق لا يمكن إدراك نهايته عن المادة.

وفي المقابل يبدو لنا من كتب الله السماوية ومن حكمة الله في خلقه بحر آخر من الحياة الأخروية أي عالم الأمر من خلفه علم محيط لا يمكن بلوغ نهايته من عالم الأمر.

ومن كلا البحران هناك مجمع بينهما يبدوان لمن أنعم الله له من العلم، فيبدو له من عالم الأمر خُبرا عن عالم الدنيا فكان موسى يريد بلوغ مجمع بينهما ولكن لم يستطع صبرا.

فصفة البحرين متضادان في ظاهرهما، ولكن من كلاهما والانتقال بين علميهما والجمع بينهما والاحاطة بهما والجمع بينهما واستمرار المحاولة يمكن تطويع أمورنا وأحوالنا وربطها بين عالم الخلق والأمر بين الدنيا والآخرة، واستخراج العمل الأكثر تفاعلًا وتأثيرًا من خلال إخضاع عمل الدنيا لقوانين عالم الأمر.

إذن البحر يبدو ويظهر من محيط، في حيز مرتبط ومتحكم فيه ومسيطر عليه هذا المحيط.

ما الفرق بين اليم والبحر:

إذن الفارق أن اليم له روافد متعددة ويسري في اتجاهه باستمرار ويصب في مكان آخر أما البحر فهو يبدو في منطقة منخفضة وله مضيق يمده بالماء من محيط.

وهنا يبقى لغز يجب فهمه، وهو كيف البحر يصبح يم أو العكس في قوله تعالى:  

{وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ} (سورة الدخان 24)

{فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ} (سورة الذاريات 40)

إذن أن مرورهم كان في بحر وأصبح هذا البحر يم كيف؟!

فكيف يكون البحر الذي أوله مضيق ماءه مربوط بمحيط، يتحول إلى الْيَمِّ، ولكن لو تأملنا قليلاً سوف نكتشف أن البحر ما كان مصباً لهذا اليم وأن الماء كان رهواً ولكن حين التأم الماء اتخذ اتجاه مضاد عكس اتجاه المصب لداخل اليم أو النيل إذا ما اعتبرنا أنهم كانوا فرارهم من مصر، وأن النيل كان متصلًا بالبحر الأحمر في منطقة الفرار، وأن الطود العظيم حين إنساب الماء منه كان ضغط الماء عكس اتجاه ماء المصب فنبذهم الله تعالى في الْيَمِّ وكان غرقهم فيه بفيضان ماء البحر فيه، فجاء لفظ فَأَخَذْنَاهُ، فلم يكن غرق في ذات البحر وإنما تم أخذهم لهذا الْيَمِّ.

يوم ينفخ في الصور


جاءت في قوله تعالى:

{يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} (سورة الأَنعام 73)

{يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا} (سورة طه 102)

{وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} (سورة النمل 87)

{يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا} (سورة النبأ 18)

وبدايةً يجب أن نعرف أولاً ما معنى النفخ والصور كي نعي المعنى كما يلي:

النفخ:

خروج أو انفصال ناتج نقي من مصدر ما أو نسخة من هذا المصدر، فيتفرق وينتشر في محيط ما ذو عمق خفي فيعطي نواتج مختلفة عن جنس ما تم نفخه، فهو خروج ناتج من أصل أو نسخة من الأصل، فتتفرق وتنتشر بعيدًا عن أصل وجودها فتعطي نواتج مختلفة عن أشكال جنسها.

فمثلًا لو تم النفخ في مزمار بالهواء ينتشر الهواء بمحيط داخل هذا المزمار الخفي، ثم يعطي نواتج مخالفة لجنس الهواء فيعطي أصوات مختلفة، وما يتم نفخه هنا مجهول في الصور، وجاء النفخ من خلال فعل يُنْفَخُ فما الفارق؟

يُنْفَخُ:

الفارق من خلال تشكيل الياء بالضم أن هناك مخفي سوف يظهر فلو تأملنا النفس كشيء خفي موجود بعالم الآخرة لم يتجسد بعد لذلك النون جاءت بالسكون ويكون تلك النفس ساكنة، فعندما يتم النفخ تخرج النفس، فينتج انفصال من حال سكونها، وفي حرف الخاء ضم بما يعني أن الخروج بتواصل تلك النفس بجسدها الأخروي.

الصُّورِ:

هو ما به مراكز وأعماق التغيير الذي يوضع فيها صور المخلوقات والتي تنشأ منه بلا زيادة أو نقصان، والتي توصل بين باطن المخلوقات وظاهرها بكل مكوناتها المتفرقة فيربط بينهم ويتحكم ويسيطر عليهم.

فهناك مثال مصغر في خلق الإنسان، يحمل ال DNA الصفة الجسدية المادية ثم تسكن النفس كجزء خفي باطن على هذا الجسد ثم تنفخ الروح فتربط بين الجسد والنفس.

الأمر ذاته يتم في الآخرة ولكل المخلوقات حيث بنفخ الصور تلك الأعماق الدقيقة كالنفس التي تنشأ منها المخلوقات الروح تربط بينها لتتشكل وتظهر فتتجمع، هذه الأعماق التي تنشأ منها المخلوقات هي الصُّورِ الذي تخرج منه جميع المخلوقات ففيه صور جميع المخلوقات.

إذن كل تصوراتنا أن الصور عازل شبه مادي بين عالمين، ولكنه في حقيقة الأمر هو باطن المخلوق الخفي التي سوف تتحول من حالة خفية لحالة مرئية ومتحركة ليتم حشرها على الطبيعة الأخروية.

والآن لنحاول فهم الآيات بعد هذا العرض السابق.

يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ:

في يوم هو مرحلة التغيير عما قبلها وعما بعدها تجمع هذه المرحلة وتضم خواص مرحلة أصبحت باطن (اليوم السابق الدنيا أو القيامة أو غيرها)، وخواص مرحلة حالية (الآخرة- الحشر- الحساب أو غيرها) فيوحد بين الدنيا والآخرة ورابط بينهما.

في هذه المرحلة التي نحن بصددها مرحلة انفصال النفس أو المكون الأساسي الخفي من المخلوق ليحشر إلى الله تعالى.

هذا الخروج يشمل صور عالم المخلوقات باطن وعمق المخلوقات الخفي الذي يتواصل مع جسد عالمه الجديد ويرتبط به، التي سوف تتحول من حالة خفية لحالة منشورة ليتم حشرها على الطبيعة الأخروية لتخرج وتنبعث من هذا العمق الخفي.

ولأن المقصد هو العمق الخفي من المخلوق هو الذي يتم النفخ فيه، فأعقبها مباشرة قول الله كما يلي:

يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ

هنا الإشارة إلى عالم الغيب والشهادة الذي يتكشف للمخلوقات بالنفخ في صورتها الخفية لتظهر في هذا العالم.

يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا

هنا الإشارة للنتيجة من النفخ في صورتها الخفية فيكون الحشر.

وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ

هنا الإشارة للنتيجة من النفخ في صورتها الخفية فيكون فزع في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء وكل من آتوه داخرين.

يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا

هنا الإشارة للنتيجة من النفخ في صورتها فنأتي أفواجًا.

فنفخنا فيه من روحنا


جاءت في قوله تعالى:

{وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} (سورة التحريم 12)

 {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} (سورة الأنبياء 91)

وبدايةً يجب أن نعرف أولاً ما معنى النفخ والروح كي نعي المعنى كما يلي:

النفخ:

النفخ هو خروج أو انفصال ناتج نقي من مصدر ما أو نسخة من هذا المصدر، فيتفرق وينتشر في محيط ما ذو عمق خفي فيعطي نواتج مختلفة عن جنس ما تم نفخه.

فهو خروج ناتج من أصل أو نسخة من الأصل فتتفرق وتنتشر بعيداً عن أصل وجودها فتعطي نواتج مختلفة عن أشكال جنسها

فمثلًا: لو تم النفخ في مزمار بالهواء ينتشر الهواء بمحيط داخل هذا المزمار الخفي ثم يعطي نواتج مخالفة لجنس الهواء فيعطي أصوات مختلفة عن جنس الهواء.

ولكن في هذا الموضع القرآني يجب أن ما يتم نفخه هنا الروح وليس الهواء فيجب أن نعرف معنى الروح أولًا ومداها وكيف تخرج.

الروح:

هي الأمر الإلهي الذي يربط بين كل العوالم وأجزاءه ومخلوقاته وخلاياه وذراته والسيطرة والتحكم بهم وتحقيق الوصل والاتصال بين كل شيء والإحاطة بأغوار كل المخلوقات.

 وفي حالة الجسد يكون فيها نسخة من الأمر الإلهي الذي يربط بين النفس والجسد وبين أجزاء الجسد وبعضه ويحيط بعلم الله بهذا الأمر كل شيء بالجسد وكل أغواره.

أي أن الروح من أمر ربي تصدر لربط كل شيء ببعضه فتربط بين النفس والجسد.

إذن ما تم نفخه هو الروح التي سوف تربط بين نفس وجسد، وهنا لا نحتاج لرجل لتحقيق هذا الربط؛ فإن علاقة السببية الدنيوية هو نظام جعله الله للحفاظ على النسب ونقاء الذرية، فإن عملية الربط تتم منذ خلق آدم وليس حدثًا فريدًا من هذه الزاوية، وإنما هنا العلاقة السببية الدنيوية هي التي تم تفردها عن الأسباب الدنيوية المتعارف عليها، وجعل نطق الشهادة عن تفرد السببية في قول عيسى عليه السلام حين أتت مريم لقومها به في قوله تعالى: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} (سورة مريم 27 - 36).

ولكن يبقى سؤال قبل أن نخوض في استقراء المعنى، وهو ما الفرق بين فيه وفيها الذي سبق لفظ من روحنا؟!

الفرق بينهما حرف الألف، فاللفظ فيه يعني أن النفخ للروح كان خاص بعيسى عليه السلام أما فيها فهو خاص بجسدها هي شاملًا جسده في كل الأحوال.

فتفردها بتوقف حالة السببية من وجود رجل يتمم عملية انقسام الخلية الجنينية كان يستوجب أوامر جديدة تهيئ هذا الجسد المادي لاستقبال حالة التفرد تلك، ولا يمكن لها أن تحصل على هذا التفرد إلا أن تتم عملية النفخ الجديدة بتغيير الأوامر الأولية التي تم خلقها على شروطها السببية، وهنا النفخ شمل فرجها وكذلك السمات الجسدية الكلية.

ولأنها حالة متفردة لم يذكر اسمها كما بالآية 91 بسورة الأنبياء فقال تعالى (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا).

والآن لنعي ونستقرأ أقوله تعالى: (فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا).

 {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} (سورة التحريم 12)

فأخرجنا من أمر الله ليتفرق وينتشر في أعماق فرجها ليغير من حالة السببية وتصبح الخلية الجنينية مؤهلة لممارسة نشاط الانقسام واستقبال النفس بدون وجود السبب الدنيوي (الرجل) ليربط بين الخلية والجسد الناشئ مع نفس عيسى عليه السلام وتوالي نموه من خلال هذه الأوامر الإلهية التي تحيط بعلم الله مراحل نموه.  

وذات الأمر في قوله تعالى:

{وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} (سورة الأنبياء 91)

فأخرجنا من أمر الله ليتفرق وينتشر في أعماق جسدها ليغير من حالة السببية ويصبح جسدها مؤهلاً لاستقبال الجنين بدون وجود السبب الدنيوي (الرجل).