القائمة الرئيسية

الصفحات


جاءت في قوله تعالى:

{وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} (سورة التحريم 12)

 {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} (سورة الأنبياء 91)

وبدايةً يجب أن نعرف أولاً ما معنى النفخ والروح كي نعي المعنى كما يلي:

النفخ:

النفخ هو خروج أو انفصال ناتج نقي من مصدر ما أو نسخة من هذا المصدر، فيتفرق وينتشر في محيط ما ذو عمق خفي فيعطي نواتج مختلفة عن جنس ما تم نفخه.

فهو خروج ناتج من أصل أو نسخة من الأصل فتتفرق وتنتشر بعيداً عن أصل وجودها فتعطي نواتج مختلفة عن أشكال جنسها

فمثلًا: لو تم النفخ في مزمار بالهواء ينتشر الهواء بمحيط داخل هذا المزمار الخفي ثم يعطي نواتج مخالفة لجنس الهواء فيعطي أصوات مختلفة عن جنس الهواء.

ولكن في هذا الموضع القرآني يجب أن ما يتم نفخه هنا الروح وليس الهواء فيجب أن نعرف معنى الروح أولًا ومداها وكيف تخرج.

الروح:

هي الأمر الإلهي الذي يربط بين كل العوالم وأجزاءه ومخلوقاته وخلاياه وذراته والسيطرة والتحكم بهم وتحقيق الوصل والاتصال بين كل شيء والإحاطة بأغوار كل المخلوقات.

 وفي حالة الجسد يكون فيها نسخة من الأمر الإلهي الذي يربط بين النفس والجسد وبين أجزاء الجسد وبعضه ويحيط بعلم الله بهذا الأمر كل شيء بالجسد وكل أغواره.

أي أن الروح من أمر ربي تصدر لربط كل شيء ببعضه فتربط بين النفس والجسد.

إذن ما تم نفخه هو الروح التي سوف تربط بين نفس وجسد، وهنا لا نحتاج لرجل لتحقيق هذا الربط؛ فإن علاقة السببية الدنيوية هو نظام جعله الله للحفاظ على النسب ونقاء الذرية، فإن عملية الربط تتم منذ خلق آدم وليس حدثًا فريدًا من هذه الزاوية، وإنما هنا العلاقة السببية الدنيوية هي التي تم تفردها عن الأسباب الدنيوية المتعارف عليها، وجعل نطق الشهادة عن تفرد السببية في قول عيسى عليه السلام حين أتت مريم لقومها به في قوله تعالى: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} (سورة مريم 27 - 36).

ولكن يبقى سؤال قبل أن نخوض في استقراء المعنى، وهو ما الفرق بين فيه وفيها الذي سبق لفظ من روحنا؟!

الفرق بينهما حرف الألف، فاللفظ فيه يعني أن النفخ للروح كان خاص بعيسى عليه السلام أما فيها فهو خاص بجسدها هي شاملًا جسده في كل الأحوال.

فتفردها بتوقف حالة السببية من وجود رجل يتمم عملية انقسام الخلية الجنينية كان يستوجب أوامر جديدة تهيئ هذا الجسد المادي لاستقبال حالة التفرد تلك، ولا يمكن لها أن تحصل على هذا التفرد إلا أن تتم عملية النفخ الجديدة بتغيير الأوامر الأولية التي تم خلقها على شروطها السببية، وهنا النفخ شمل فرجها وكذلك السمات الجسدية الكلية.

ولأنها حالة متفردة لم يذكر اسمها كما بالآية 91 بسورة الأنبياء فقال تعالى (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا).

والآن لنعي ونستقرأ أقوله تعالى: (فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا).

 {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} (سورة التحريم 12)

فأخرجنا من أمر الله ليتفرق وينتشر في أعماق فرجها ليغير من حالة السببية وتصبح الخلية الجنينية مؤهلة لممارسة نشاط الانقسام واستقبال النفس بدون وجود السبب الدنيوي (الرجل) ليربط بين الخلية والجسد الناشئ مع نفس عيسى عليه السلام وتوالي نموه من خلال هذه الأوامر الإلهية التي تحيط بعلم الله مراحل نموه.  

وذات الأمر في قوله تعالى:

{وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} (سورة الأنبياء 91)

فأخرجنا من أمر الله ليتفرق وينتشر في أعماق جسدها ليغير من حالة السببية ويصبح جسدها مؤهلاً لاستقبال الجنين بدون وجود السبب الدنيوي (الرجل).


تعليقات