وهو شديد المحال

 

وهو شديد المحال

ــــــــــــــــــــــ

قال تعالى :

{ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13) } (سورة الرعد 13)

 

وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ

ــــــــــــــــــــــــــــ

 

(وهو) المتواصلة هيمنته والموصولة  (شديد) بكل المخلوقات وبكل صورة لتلك المخلوقات وكل جزء منها أو شكل وكل فراغ فيها وما يتفشى وينتشر منها وفي أي مكان وكل صورة أخرى من المادة فجميعها تشملها قوانين قصدية تخرج وتتضح تأثيرها على تلك المخلوقات بكل صورها فتنشط تلك المخلوقات وتتضح في عالمها وبنشاطها وحيواتها وبخلقها  تخضع لقوانين ومقاصد أخرى تعطي أدلة وبراهين على الله تعالى المهيمن على كل أحوالها (المِحال) التي يتم خلقها لتتجمع وتنضم وتتداخل في عالمها الذي يصبح مقامها ومحلها ومنزلها الذي يحويها ويحصرها ويحجزها في داخل ميقات محدد ومحيط معلوم في عالمها الذي يحويها محصورة داخل تلك القوانين الإلهية المهيمنة عليها التي تضبط أحوالها في نسيج وحركة حياة واحد تتلاقى فيه تلك المخلوقات مُسخرة لبعضها البعض رغم إختلافها في داخل هذا النسيج المتوافق

 

حبل الوريد

 

حبل الوريد

 ـــــــــــــــــــــ

قال تعالى :

{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) } (سورة ق 16 - 17)

حبل

ورد

 

حَبْلِ

ح : ما يحوي ويحصر ويحجز الدم في حيز محدد ومعلوم والمحيط به فحواه ليحافظ عليه محصوراً على قدر ثابت

ب : ظاهراً وبادياً عليه

ل : متلاحماً ومتواصلاً بنسيج حركة الدم لينتقل من نطاق لنطاق فهو يلم ويلف الدم

 

الوريد

و : الذي يجمع ويضم في باطنه الدم فيوقيه ويخفيه فيتوسط بين ما لا رابط بينهم بالجسم ويجعلهما كشيء واحد فيوصل الدم لغير  مكانه

ر : فيربط ويتحكم ويسيطر ويرسل الدم بين أطرافه فيتماهى الدم فيه

ي : فيخرج الدم  من مصدره  إلى هذا الوريد كنسب نشطة

د : فتكون حركة الدم فيه بقصد تغيير إتجاهه أو قيادته من مكان للآخر أو منتهى ما

 

 

وهنا أقرب من الحبل كأنه المحيط  به أثناء حركته والذي يشمل الاحتواء والحفاظ عليه ومتواصل معه بنسيج حركة حياته

 

سنفرغ لكم أيها الثقلان

 

سنفرغ لكم أيها الثقلان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال تعالى :

{ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ (31) } (سورة الرحمن 31)  

 

سنفرغ ..  مصدر الكلمة فرغ

أي فارق الطريقة أو الشيء أو الحال المعتاد فيمحص تلك الطريقة أو الشيء أو الحال ويفك قيده منه وارتباطه به وتحكمه وسيطرته عليه فيحجبه عنه ويصير غريب عنه وغير مألوف

أما في هذا السياق بالآية

سَنَفْرُغُ لكم

ـــــــــــــــــــ

سنسيطر سيطرة تامة على كل أحوالكم وأموركم وعلى مقاييس وأساسيات حياتكم وأفعالكم بسنن مسخرة ومستمرة لأجل لا يعلمه إلا الله العلي الخبير على الحال الأسمى والأعلى وسنسيطر على انتقالكم من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة بناتج أعمالكم الدنيوية مما استنسخ منها لعالم ضد عالمكم الذي حييتم فيه فتفارقوا ما إعتادت أنفسكم عليه من سنن دنيوية محصتكم في فتنتها وارتبطتم بها وتحكمت وسيطرت عليكم فيختفي هذا العالم ويصير محجوب عنكم وتنتقلوا لعالم كان محجوب عنكم وغير مألوف لكم

 

أَيُّهَا الثَّقَلَانِ

ـــــــــــــــــــ

أيها المخلوقان التي نخلقها على مادة أخرى ونبثها ونثبتها عليها فتكثر مادة الطين أو الماء المهين أو النار فنكثرها ونطورها ونزيدها ونضاعفها فنخرجها من عالم الأمر لندمجها في مادتها فيندمجان ويتواصلا ويتلاحما في نسيج حركة دنيوية واحدة ويتآلفان معاً ويكون ناتج اندماجهما مختلفاً عن أصليهما

 

فالإنسان كناتج تكوين ليس طيناً أو ماء مهيناً والنفس مندمجة لا نراها ولا ندرك أصلها وهذا ينطبق على الجن أيضاً فناتج اندماجه بالنار مختلفاً عن أصل النار

ومن يُهِنِ اللهُ فما له من مكرم

 

ومن يُهِنِ اللهُ فما له من مكرم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

قال تعالى :

{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18) } (سورة الحج 18)

 

 

يُهِنِ

أصل الكلمة هون

فالهون المهيمن على الغير وضده ويحل محله والمهندس لحاله  بما هوى فيكون ضد غيره فيوقي ويخفي هذا الآخر ويحل محله فيوصل الأمور لغير مكانها أو غير حالها فينأى وينفر عنه متنافراً مع نده

 

والأصل أن الجميع يسجد لله حتى لو كان كافراً .. فالكافر يسجد لقوانين الله الدنيوية ولا يمكن مغادرتها .. فلا يستطيع أحد على سبيل المثال أن لا ينام أو لا يأكل أو لا يشرب ... الخ

وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ

ومن يخرج عن أمر الله وقوانينه وسننه ويخفيها ولا يسجد لله ويخرج على الهيمنة على فطرة الأشياء وينتقل ويحل محلها قوانين يحاول أن يحلها محل قوانين الله فيصل بالأمور والأحوال والأشياء الدنيوية إلى غير مكانها فينأى وينفر ويتنافر مع الفطرة الإلهية الساجدة لله فما له أن يجمع ويضم كامل التكوين للقوانين التي تعطي قوة وسلطان الربط بين كامل التكوين والتحكم والسيطرة عليه والجامعة لكل جوانبه .. فتخرج الأمور عن سيطرته وهذا الخروج عن السيطرة وعن الفطرة هو في  ذاته بمشيئة الله ففعل هذا الإنسان أو المجتمع في حدود الاختبار والمساحة التي تكمن داخل القوانين الكلية لمشيئة الله وفعله    

صياصيهم



في هذه الآية الكريمة:

﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾

تصوّر الآية كيف أن الله أزال عن أعدائه كل ما اعتقدوا أنه مصدر قوتهم وثباتهم، أي أسبابهم الدنيوية التي أطمئنوا إليها: المال، التحالفات، التحصينات، وكل ما جمعوه وضموه لأنفسهم ظنًّا منهم أنه يضمن لهم الهيمنة على الآخرين.

هذه الأسباب، التي كانت تمنحهم شعورًا زائفًا بالقوة والاستقلال، أصبحت عاجزة أمام قدرة الله. فجأة انكشف ضعفهم، وفقدوا طمأنينتهم الزائفة، وأُلقي في قلوبهم الرعب، حتى ضاعت سيطرتهم وانهارت دفاعاتهم، فصاروا عاجزين عن مواجهة الشدائد، واضطروا إلى الفرار والهزيمة أمام إرادة الله القادرة.

الصيص في الآية إذن ليس مجرد حصون أو أدوات دفاعية، بل يمثل كل أسباب القوة المادية والدنيوية التي تمنح الإنسان ثقة زائفة بنفسه، والتي يقدر الله أن يزيحها ليكشف الحقيقة ويهلك الغرور الزائف.

تمام، سأوضّح لك مخططًا فكريًا بصريًا للآية يبيّن تسلسل الأحداث والعلاقات بين عناصرها:


مخطط تفسير الآية ﴿وَأَنْزَلَ… صَيَاصِيهِمْ…﴾

1️⃣ الصيص (أسباب القوة الدنيوية)

  • المال

  • التحالفات

  • التحصينات

  • الموارد التي تمنحهم شعورًا بالسيطرة

⬇️ أزالها الله

2️⃣ إزالة الصيص

  • العوامل المادية والدنيوية التي كانوا يطمئنون إليها لم تعد نافعة

  • الطمأنينة الزائفة تنهار

⬇️ ينتج عنها

3️⃣ القلق والرعب في القلوب

  • زوال الأمان الذاتي

  • فقد السيطرة على الآخرين

  • صدمة وضعف معنوي

⬇️ النتيجة النهائية

4️⃣ الهزيمة والانكشاف

  • العجز عن القتال

  • الفرار

  • انكشاف القوة الزائفة والاعتماد على الذات بدل الاعتماد على الله


ملاحظة بلاغية

  • الكلمة صيص تمثل قلب الآية ومركز المعنى: كل ما ظنوه مصدر قوة ثابتة صار عاجزًا أمام قدرة الله.

  • المخطط يوضح سلسلة التأثير: الصيص → إزالة → الرعب → الهزيمة.


واترك البحر رهوًا

قال تعالى:

{وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ} [الدخان: 24]

رَهْوًا

أصل الكلمة رهو، أي مربوط أو مترابط أطرافه مُتحكمًا ومُسيطرًا ومُهيمنًا على إخفاء بما هو ظاهر ما هو باطن فلا يجتمعان.

وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا

واترك البحر على ارتباط طرفيه وعلى حالة التحكم والسيطرة والهيمنة على كل طرف فلا يجتمعان، فيجمع كل طرف بظاهره باطنه فيحب هذا الظاهر ما خلفه؛ فيوقي ويخفي هذا الظاهر من المياه الباطن منها؛ فيضيق عليها ويكون هذا الظاهر من الماء حدودها فيكون كل طرف ينأى وينفر عن الآخر فلا يختلطان.


يفتنون في كل عام مرة أو مرتين

 

يفتنون في كل عام مرة أو مرتين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال تعالى :

{ أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (127) } (سورة التوبة 126 - 127)

 

 

الفتنة

مفارقة الطريقة المعتادة وتفعيل حالة التنافر مع الحالة السابقة حتى اكتمال وإتمام تلك المفارقة والتنافر

قال تعالى :

{ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) } (سورة طه 90)

هنا فارقوا حالتهم السابقة وانضموا معاً واجتمعوا جول عبادة العجل

{ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ } (سورة الحديد 14)

وهنا أيضاً فارقوهم بعد أن كانوا مع المؤمنين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أولا يرون أنهم يفارقون حالتهم الاعتيادية من الاستقرار وتتفاعل عليهم حالة من التنافر مع الحالة الأولى التي اعتادوا عليها وتخرج حالة جديدة من حالة عدم الاستقرار توقي وتخفي كل ما كانوا عليه ومع استمرار حالة الخروج عن الحالة السابقة من استقرار وذلك كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يَذَّكَّرُونَ باستخراج ذلك الصور من التكوين الإلهي المترابط الموصول ببعضه ببعض بصورة نقيه

 

وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ (سُورَةٌ) سنة الله المتواصلة والموصولة ببعضها البعض والمترابطة والمتممة والمُكمِلة لبعضها البعض بكل ظواهرها وباطنها الذي أدى لنزول الغيث والمطر نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ.

 

السورة سنن إلهية موصولة ببعضها البعض مترابطة ويتحكم بعضها ببعض وتتكامل مع بعضها البعض وتتمم بعضها البعض وتتكامل بينن باطنة تؤدي إلى سنن ظاهرة نقية وواضحة وبينة