ماء معين ؟!



الآية من القرآن الكريم في سورة الملك تقول:

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾

والمقابلة في الآية بين كلمتين أساسيتين: غَوْرًا و مَعِينٍ.
فالأولى تعني الماء الذي غار واختفى في العمق، والثانية تعني الماء الظاهر المتاح الذي يمكن الوصول إليه.


أولاً: معنى “مَعِين” في اللغة

في العربية تدل كلمة مَعِين على:

  • الماء الظاهر الجاري الذي تراه العين.
  • الماء الذي يسهل الوصول إليه والانتفاع به.

ولهذا يقال: ماء معين أي ماء ظاهر جارٍ.


ثانياً: تحليل الكلمة وفق منهج الحروف الذي عرضته

الكلمة تتكون من:
م – ع – ي – ن

الميم (م)

يدل على الاحتواء والجمع.
أي تجمع الماء في نطاق محدد مثل:

  • السحاب
  • الأنهار
  • الآبار
  • العيون

 العين (ع)

يرمز إلى العمق والاكتشاف.
فهو يشير إلى الماء الذي كان خفيًا في الأعماق أو في باطن الأرض أو في طبقات السحاب.


 الياء (ي)

يدل على مرحلة الحركة والنشاط والتأثير.
أي انتقال الماء من حالة السكون إلى الظهور والجريان والتأثير في الحياة.


 النون (ن)

يدل على النقاء والتميز والاستقلال.
أي أن الماء يصبح صافيًا ظاهرًا منفصلًا عن الشوائب ويمكن الانتفاع به.


ثالثاً: المعنى المركب لكلمة “مَعِين

وفق هذا التركيب يمكن فهم الكلمة على أنها:

ماء جُمِع في موضع، ثم اكتُشف أو خرج من عمقه، وتحرك ليظهر في صورة واضحة نقية يمكن الانتفاع بها.

أو بصياغة أبسط:

الماء المعين هو الماء الذي ظهر بعد خفائه، فصار جاريًا نقيًا يمكن الوصول إليه والانتفاع به.


رابعاً: دلالة الكلمة في سياق الآية

الآية تطرح سؤالاً للتنبيه إلى القدرة الإلهية:

  • لو أن الماء اختفى في باطن الأرض غورًا
  • فمن يستطيع إخراجه وإظهاره جاريًا ليصبح ماءً معينًا؟

أي أن المعنى العام:

إذا اختفى الماء في أعماق الأرض بحيث لا تصلون إليه، فمن الذي يقدر على إظهاره لكم مرة أخرى ماءً ظاهرًا جاريًا تنتفعون به؟

والمقصود تذكير الإنسان بأن الماء الذي تقوم عليه الحياة ليس بيد البشر بل بقدرة الله.


س: هل تختلف هذه الآية في السياق عن الآيات التي قبلها

الآية ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ من القرآن الكريم في سورة الملك لا تنفصل عن سياق الآيات قبلها، بل تمثل الخاتمة المنطقية للسياق كله في السورة.

لفهم ذلك بوضوح ينبغي النظر إلى مسار المعنى في الآيات الأخيرة من السورة.


أولاً: موضوع الآيات قبلها

الآيات التي تسبقها مباشرة تتحدث عن القدرة الإلهية على الحفظ والإهلاك والرزق، ومن ذلك:

  • عجز الإنسان عن حماية نفسه من عذاب الله.
  • عجزه عن إيجاد قوة تنصره.
  • وأن الرزق بيد الله وحده.

فالسياق ينتقل تدريجيًا من قضية العقيدة الكبرى إلى أمثلة واقعية محسوسة.


ثانياً: لماذا جاء مثال الماء؟

الماء هو أوضح مثال للحياة والرزق، وكل إنسان يدرك أهميته فورًا.

لذلك جاء السؤال في نهاية السورة:

  • ماذا لو اختفى الماء في أعماق الأرض؟
  • من يستطيع إعادته؟

هذا السؤال يلخص الفكرة التي بُنيت عليها الآيات السابقة:
أن الإنسان ضعيف أمام قوانين الكون ولا يملك مصادر الحياة الأساسية.


ثالثاً: وظيفة الآية في بناء السورة

يمكن فهم موقعها كالتالي:

1.    الآيات السابقة: تذكر قدرة الله في الكون والملك والرزق.

2.    هذه الآية: تضرب مثالًا مباشرًا يمس حياة الإنسان اليومية.

أي أنها تعمل كـ خاتمة حجاجية قوية للسورة.


رابعاً: العلاقة بين كلمتي الآية

في الآية مقابلة بين حالتين:

  • غَوْرًا ماء غائر مختفٍ في العمق.
  • مَعِينٍ ماء ظاهر جارٍ يمكن الوصول إليه.

وهذا الانتقال من الخفاء إلى الظهور يوضح أن ما يبدو للإنسان ثابتًا في حياته (مثل الماء) يمكن أن يختفي لو شاء الله.


اختيار كلمة غورًا في الآية يرسم صورة دقيقة:

ماء كان ظاهرًا في حياة الناس، ثم يغيب فجأة في أعماق الأرض حتى يعجز البشر عن الوصول إليه.

وبذلك يصبح السؤال في الآية شديد القوة:

إذا اختفى مصدر حياتكم بهذه الطريقة… فمن يستطيع إعادته ماءً ظاهرًا؟


وإذا تأملت الآية أكثر ستجد أمرًا لافتًا:
الكلمتان غَوْرًا و مَعِينًا ترسمان معًا دورة الماء في الطبيعة (اختفاء في الأرض ثم ظهوره)، وكأن الآية تختصر نظامًا كونيًا كاملًا في كلمتين فقط.


الخلاصة

الآية ليست منفصلة عن السياق، بل هي:

  • الخاتمة البلاغية لسورة الملك.
  • مثال حسي يختصر مضمون السورة.
  • تذكير بأن أبسط مقومات الحياة (الماء) خارج قدرة الإنسان.

س: لماذا تم الانتقال من القضايا الكبيرة والعظيمة إلى سؤال بسيط؟!!

واللافت أن السورة قبلها مباشرة كانت تتحدث عن قضايا عظيمة جدًا:

  • خلق السماوات.
  • نظام الكون.
  • النجوم.
  • الملائكة.
  • النار والجزاء.

ثم فجأة تنتهي السورة بسؤال بسيط عن الماء.

لكن هذا الانتقال ليس عشوائيًا، بل يحمل بناءً بلاغيًا دقيقًا.


أولاً: السورة تبدأ بالكون كله

تبدأ السورة بقوله تعالى:

﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾

أي أن الحديث في البداية عن الملك المطلق للكون كله.

ثم تعرض السورة مظاهر هذا الملك:

  • خلق الموت والحياة
  • خلق السماوات السبع
  • النجوم
  • علم الله بالسر والعلن
  • قدرة الله على العذاب أو الرحمة

إذن البداية كونية شاملة.


ثانياً: انتقال الخطاب إلى الإنسان

بعد عرض قدرة الله في الكون، تنتقل السورة تدريجيًا إلى الإنسان نفسه:

  • هل يأمن الإنسان من عذاب الله؟
  • هل يملك من ينصره؟
  • هل يستطيع أن يرزق نفسه؟

أي أن السورة تنتقل من الكون الكبير إلى ضعف الإنسان.


ثالثاً: لماذا خُتمت بالماء تحديدًا؟

الماء هو:

  • أبسط شيء يراه الإنسان يوميًا.
  • وأشد شيء تعتمد عليه الحياة.

فالإنسان قد يجادل في أمور كبرى مثل الخلق أو الغيب،
لكن لا يستطيع أن ينكر حاجته للماء.

لذلك جاء السؤال الحاسم:

لو اختفى الماء في الأرض… من يستطيع إعادته؟


رابعاً: قوة السؤال في الآية

السؤال في الآية ليس سؤالًا عاديًا، بل سؤال تحدٍّ عقلي:

  • ليس: من خلق السماوات؟
  • بل: من يعيد لكم ماءكم إن اختفى؟

لأن هذا السؤال يمس بقاء الإنسان مباشرة.


خامساً: الرابط العميق بين أول السورة وآخرها

أول السورة:
الملك لله في الكون كله.

آخر السورة:
حتى الماء الذي تشربه داخل هذا الملك.

أي أن السورة تبدأ بالكون العظيم وتنتهي بقطرة الماء،
لتقول إن القدرة التي تدير المجرات هي نفسها التي تُبقي الماء في الأرض.


الخلاصة

خاتمة السورة ليست موضوعًا جديدًا، بل هي الضربة البلاغية الأخيرة:

بعد أن عرضت السورة ملك الله في الكون كله،
تجعل الإنسان يواجه سؤالًا بسيطًا جدًا:

إذا اختفى الماء الذي تعيش به… فمن يعيده؟

وبهذا يتحول معنى الملك الكوني العظيم إلى حقيقة محسوسة في حياة الإنسان اليومية.


ما هي الجُدد والغرابيب ؟!

قال تعالى

{وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} (سورة فاطر 27)

جُدَدٌ

جُ: جمع لمكونات من الجبل متفرقة موصولة أو متصلة ببعضها لتصير في ظاهرها كأنها جسم واحد فتجلو وتظهر في أشد حالاتها في حيز لا يختلط بغيره بلون مميز له، فهي أقصى درجات اللون اجتماعاً غير مختلطة بغيره، دَ: نتيجة هذا التجمع يعطي نتيجة ومنتهى لون مغاير لما حوله ناتج عن تداخل عناصر تضفي وتقود هذا اللون من مكان لآخر كامتداد من بداية لنهاية، دٌ: يقابله امتداد آخر يجعله نقياً ومختلف عما هو ظاهر حوله هذا اللون المميز يظهره ما حوله من ألوان مغايرة له.

جُدد

فيبدو كطريق ممتد على ذو لون مميز عما حوله من الجانبين ظهوره ووضوحه يعتمد على ما حوله من ألوان تجلو وتبدو على هذا اللون.

وهنا في قوله تعالى: (بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا) أنها ألوان مختلفة ومصولة ما بين الأبيض والأحمر بدرجاتهما كل درجة مميزة عن الأخرى، وهذا التدرج يمكن أن يظهر بطريقة عشوائية حسب طبيعة التربة الجبلية وانعكاس اللون المميز لها.

والعبرة هنا تكمن في أن طبيعة التربة المتدرجة في تكويناتها بالطبع تحمل عناصر مميزة هي سبب ظهور هذا اللون ومن خلالها يمكن تمييز اختلاف تركيز تلك العناصر، أما في سياق الآية انه كعلم ظاهر يمكن أن نميز به العناصر رغم أنه في كامل تكوينه جبل واحد يحمل جميع العناصر، كذلك العلوم الدنيوية الظنية هي علوم متعددة يجمعها علم واحد هو علم الله تعالى.

لمزيد من الفهم لهذه النقطة الأخيرة يمكن الاطلاع على المقالة التالية: إِنَّمَايَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ

وقد اعتبروا غرابيب سود امتداد لما قبله من ذكر الألوان ولكن الغرابيب لابد أنها مغايرة للجُدد فلنرى ما هي الغرابيب السود تحديداً

 وَغَرَابِيبُ من غرب، والواو هنا توضح أن هناك وصل ما بين الغرابيب وما قبلها من أنواع الجبال.

غَرَابِيبُ

غَ: هو نوع من الجبال الغريبة عما في محيطها من الجبال أو غريبة وغير مألوفة تحجب بعضها بعضاً، رَ: ارتبطت كجبال ومتصلة من خلال أطرافها على الأرض، ا: فتآلفت هذه الأطراف المختلفة والمتفرقة كأنها جبل واحد، بِ: فبدت ظاهرة وخارجة فيبدوا كل جبل منها كبروز خارجاً من سطح الأرض، يـ: فيكون كل بروز نسبة واضحة وغريب بين نظرائه من الجبال التي حوله، بُ: فيبدو كل جبل يبرز من باطن بروز آخر أي جبل آخر وموصولاً به.

غرابيب

أي السلاسل الجبلية التي عادة تظلل بعضها البعض نتيجة لهذا البروز لكل جبل على الآخر.

ما معنى يعرشون في قوله تعالى (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ)؟!

مصدر الكلمة (عرش)، ومعنى كلمة المصدر هو ما يبلغ من خلاله أعماق خفية غير مُدركة فيميز ما بها، فيحدث ارتباط ما بين العرش وتلك الأعماق الخفية وما بها من أشياء والتحكم في كشفها، وليس شرطًا أن يكون بين العرش وتلك الأماكن البعيدة أو الخفية بالنسبة للعرش اتصال مادي مباشر، وهذا العرش يكشف عن تلك الأماكن الخفية من خلال صور أو أجزاء من ذلك العرش ليكشف عنها كصور من أصل هذا العمق.

يَعْرِشُونَ:

 قال تعالى:

{وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} [الأَعراف: 137]

مصدر الكلمة (عرش)، ومعنى كلمة المصدر هو ما يبلغ من خلاله أعماق خفية غير مُدركة فيميز ما بها، فيحدث ارتباط ما بين العرش وتلك الأعماق الخفية وما بها من أشياء والتحكم في كشفها، وليس شرطًا أن يكون بين العرش وتلك الأماكن البعيدة أو الخفية بالنسبة للعرش اتصال مادي مباشر، وهذا العرش يكشف عن تلك الأماكن الخفية من خلال صور أو أجزاء من ذلك العرش ليكشف عنها كصور من أصل هذا العمق.

(يـَ) كل ما يصنعوا (عْ) من صناعات بها أعماق تخفي أشياء بها أياً كانت لغرض ما فيجعلوا من خلال ما يعرشون تلك الأشياء خفية أو لا يمكن إدراك خفاياها فتكمن في داخلها (رِ) ويكون رابطًا بين أطراف هذه الأعماق المتعددة الخفية ويتحكم في إخراجها من هذا العمق ويتحكم في إغلاقها وعدم الولوج إليها (شُ) حيث يتفرع إلى أعماق خفية متعددة كأجزاء أو أقسام كل فرع أو قسم أو جزء في باطنه آخر (و) موصولين ببعضهم البعض يخفي كل ما يظهر منه جزء يخفي في باطنه جزء آخر ويوقيه (نَ) وكل عمق منهم رغم ذلك منفصل عن الآخر مستقل وإن كانوا موصولين كجسم واحد.

مثال تطبيقي:

من الواضح أنهم كانوا متقدمين في هذا المجال لأقصى درجة مما يمكن أن يكون هذا النوع مما يعرشون، فهو أنواع من الألغاز وأن كثير من بيوتهم وأدواتهم يعرشونها، إلا أننا لا نملك نوعيتها على وجه الدقة لأنها تم تدميرها، لذلك سوف نلجأ لأمثلة بسيطة نعيشها لنوضح الفكرة، فالثلاجة والمكتب ذو الأدراج وغيرها من تلك الأدوات هي عروش، ولكن سوف نضع التعريف التطبيقي على خلية النحل لورودها في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} [النحل: 68]، فسوف نضع المعنى ونطبقه على خلية النحل.

(يـَ) كل ما يصنعوا (عْ) من خلايا نحل بها أعماق تخفي النحل بها لغرض أن تسكنها وتنتج العسل فيجعلوا من خلال ما يعرشون خلايا النحل خفية ولا يمكن إدراك خفاياها فيكمن النحل وعسل النحل في داخلها (رِ) وتكون الخلية رابطًا بين أطراف ألواح الخلية وأدراجها المتعددة الخفية بداخلها ويتحكم في إخراجها من عمق الخلية ويتحكم في إغلاقها وعدم الولوج إليها (شُ) حيث تتفرع الخلية إلى أعماق خفية (ألواح الخلايا) متعددة كأجزاء أو أقسام كل فرع أو قسم أو جزء في باطن الخلية (و) موصولين ببعضهم البعض يخفي كل ما يظهر منه جزء يخفي في باطنه جزء آخر ويوقيه (نَ) وكل لوح منهم رغم ذلك منفصل عن الآخر مستقل وإن كانوا موصولين كجسم واحد داخل خلية النحل.

وهكذا ينطبق التعريف فبالتالي ليس المقصود بآية قوم فرعون الأهرامات كما جنح البعض فكل ما يعرشون قد تم تدميره، ولا ينطبق على الأهرامات ذات التعريف.


أكثر التجارب العلمية جنونًا (الحلقة الثانية)

استعرضنا في المقالة السابقة تجربة ميلغرام (Milgram Experiment) في عام 1961 لدراسة طاعة الأفراد وقدرتهم على إلحاق الأذى بالآخرين بناءً على أوامر السلطة كتجربة علمية مجنونة، وفي هذه المقالة نستعرض تجربة علمية أخرى أكثر جنوناً من الناحية العملية وهي:

تجربة روزنهان (Rosenhan Experiment):

في عام 1973، نفّذ العالم النفسي ديفيد روزنهان تجربة لاختبار قدرة الأطباء والمستشفيات النفسية على التعرف على الأمراض النفسية. حيث تظاهر روزنهان ومجموعة من الأشخاص بأعراض اضطراب عقلي وتم إدخالهم إلى المستشفيات النفسية. وقد تبيّن أن الأطباء والمختصين لم يتعرفوا على أن هؤلاء المرضى هم في الواقع كاذبون وليسوا مرضى بالفعل. وتعتبر هذه التجربة جنونية بما فيها من التضليل والتلاعب بأرواح الأشخاص والأضرار النفسية المحتملة.

مدى أهمية تجربة روزنهان:

تكمن أهمية التجربة في تحديد مدى الثقة في تشخيص الأمراض النفسية التي أجراها أستاذ جامعة ستانفورد عالم النفس ديفيد روزنهان وقد نُشرت التجربة في مجلة ساينس العلمية عام 1973 وكان عنوان الدراسة المنشورة «أن تكون عاقل في أماكن مجنونة/ On Being Sane in Insane Places» والتي تعتبر دراسة انتقادية لتشخيص الأمراض النفسية، والذي اتضح من خلال تظاهر مجموعة بالهلوسة حتى تم إدخالهم لمستشفيات الأمراض النفسية وقاموا بعد ذلك بالتصرف بشكل طبيعي ومع ذلك لم يكتشف الأطباء وأصروا أنهم مرضى نفسيين، وتم تشخيصهم باضطرابات نفسية، وعلى أساس ذلك تم التعامل معهم بعقاقير وأدوية نفسية.

 حيث كان في الأساس التصور من التجربة أنه للحصول على ثقة في التشخيصات النفسية إلا أنه خلصت الدراسة أننا لا نستطيع التمييز بين العاقل من غير العاقل في داخل مستشفيات الأمراض النفسية كما سنرى في التجارب التي تم إجراؤها.

التجربة الأولى:

تم استخدام المساعدين من الأصحاء أو ما يسمى المرضى الكاذبين، وكانت المجموعة عبارة عن (3 نساء و 5 رجال بما فيهم روزنهان نفسه) وقد تظاهروا بالهلوسة لفترة قصيرة في محاولة منهم للقبول في 12 مستشفى للأمراض النفسية في خمس ولايات من ولايات أمريكية، ومن خلال تقييمهم النفسي المبدئي كان ادعاؤهم أنهم يسمعون أصواتًا وتم قبولهم جميعاً وتشخيص الاضطرابات.

وبعد قبولهم تصرفوا المرضى الكاذبون بشكل طبيعي وأخبروا الأطباء أنهم بخير ولم يعد لديهم تلك الهلوسة، ولكن تم إجبارهم بالاعتراف بمرضهم العقلي واضطروا للموافقة وتناول عقاقير مضادة للذهان كشرط لإطلاق سراحهم، وكان تشخيصهم جميعاً بمرض الانفصام ما عدا واحد تم تشخيصه اضطراب ثنائي القطب، وقضوا كمتوسط حوالي 19 يوم بالمستشفى، مما يدل على أن المرض العقلي حالة لا رجعة فيها ووصمة عار مدى الحياة بدلاً من اعتباره مرض قابل للشفاء.

ورغم أن المرضى الكاذبون كانوا يدونون ملاحظاتهم بكل دقة إلا أن العاملين بالمستشفى لم يكتشفوا زيفهم، في حين أن المرضى الحقيقيين كانوا أقدر من العاملين في التعرف على ادعائهم المزيف بالمرض، حيث أنه في أول ثلاث مستشفيات عبّر عدد 35 من إجمالي 118 مريض عن شكوكهم نحوهم، فبعضهم ظنوا أنهم باحثين أو صحفيين يحققون داخل المستشفى وعلى العكس من ذلك موظفين المستشفى كانوا يفسرون سلوك المرضى الكاذبون على أنه زيادة في مرضهم العقلي، حيث وصفت احدى الممرضات أن تدوين الملاحظات الدائمة من خلال أحد المرضى الكاذبين بأنه «سلوك الكتابة» واعتبرتها أنها حالة مرضية.

وقد تم تجهيز محامي قبل إجراء التجربة للتدخل في حالة عدم اطلاق سراحهم بعد فترة وجيزة، واضطروا أن يوافقوا على تناول العقاقير التي كانوا يقومون بإسقاطها بالمرحاض، وقد تلاحظ عدم وجود إنسانية في التعامل مع المرضى العقليين لما لاحظوه من غزو لخصوصيتهم أثناء دخولهم المستشفى وتفتيش لممتلكاتهم بشكل عشوائي، وفي بعض الأحيان كان يتم ملاحظتهم وهم بالمرحاض، ويتم عادة مناقشة الأطباء بعضهم البعض لحالة المريض وكأنه غير موجود، ويتجنب الأطباء عادةً التفاعل مع المرضى إلا للضرورة القصوى، كما أن بعض الموظفين يسيئون لفظياً وجسدياً للمرضى عندما يكون باقي الموظفين غير موجودين.

التجربة الثانية:

الجزء الثاني من الدراسة بعد أن تحدث مع إدارة المستشفى عن تجربته الأولى وطلبوا منه إرسال مرضى كاذبين مرة أخرى ضمن المرضى، حيث أرسل عدد 250 مريض حدد الأطباء منهم عدد 41 مريض كاذب محتمل في حين أنه لم يرسل أي مريض كاذب للمستشفى، فكانت النتيجة والخلاصة أن عملية التشخيص عادة تعطي أخطاء كبيرة من هذا النوع وعدم ثقة في التشخيص النفسي.

 الانتقاد العلمي لتجربة روزنهان

انتقد روزنهان إمكانية الوثوق في التشخيص النفسي والتعامل المهين للمرضى وولدت مقالته في المجلة العلمية جدلاً واسعاً، حيث دافع الكثيرون عن الطب النفسي وأن المخطئ المريض الكاذب وليس الأطباء، وأنه ليس بالضرورة أن يتوقع الطبيب النفسي أن المريض يتظاهر بالمرض النفسي ومن ثم الدراسة مفتقرة للواقعية، بل شكك الكثيرون في صحة الدراسة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أهم المصادر والمراجع:

- د. روزينهان "على أن تكون عاقلا في أماكن مجنونة". مجلة العلوم [الإنترنت]. 1973، متوفر على هذا الرابط

- د. روزينهان "حول كونك مجنونا في أماكن الطب الشرعي": أهمية أخذ تاريخ كامل في تقييم الصحة العقلية الجنائية [الإنترنت] تايلور وفرانسيس. 2020، متوفر على هذا الرابط

- د. روزينهان "على أن تكون عاقلا في أماكن مجنونة". مجلة العلوم [الإنترنت]. 1973، متوفر على هذا الرابط