تعرّف على ممتلكات الأوقاف المصرية باليونان؟!


يوجد باليونان (15) منشأة أثرية مملوكة للأوقاف وتبلغ إيراداتها 70 ألف يورو سنويا؟!

حيث يوجد العديد من الممتلكات للأوقاف المصرية خارج مصر، فهناك أيضاً في عدة دول خارجية، مثل اليونان وتركيا والسعودية.

ممتلكات الأوقاف المصرية باليونان

مجمع محمد على الذي يطل على بحر إيجه باليونان
                                           مجمع محمد على الذي يطل على بحر إيجه باليونان

وهي بالطبع تمثل قيمة تاريخية كبيرة لا يمكن تقديرها بثمن، لذلك فهي كانت تحتاج جهوداً لإعادة صياغة القيمة الإيجارية لها، حيث تضم (15) قطعة أرض - متحف محمد على باشا - قصر والد محمد على - أراضي زراعية مساحتها تزيد على 100 ألف متر مربع - قبر والد محمد على - المدرسة البحرية على بحر إيجة وقد بناها محمد على باشا عام 1748م، بخلاف بساتين شجرية نادرة.

الواجهة الخارجية من مجمع علي في اليونان
                                                   الواجهة الخارجية من مجمع علي في اليونان

وقد ظهرت أوقاف محمد على، على شكل مجمع معماري كبير وضخم يُعرف باسم (الإيمارت) وكان مستخدمًا كدار إطعام للفقراء بالمجان (تكية) حتى عام 1923م، وتبلغ مساحته حوالي 4160 مترًا مربعًا. وهذا المجمع تحول بعد ذلك إلى مزار سياحي يحمل نفس الاسم، وقد اتفقت الحكومتان اليونانية والمصرية على عدم بيعه، وعلى ذلك تقرر تأجيره بشرط على اليونان بإصلاحه وإعادته كما كان.

منزل محمد علي بجزيرة تشيوس اليونانية
                                               منزل محمد علي بجزيرة تشيوس اليونانية

أما منزل محمد علي باشا فيقع على بُعد أمتار من المجمع المعماري، على مساحة 330 مترًا، وقد أُستخدم المنزل متحفًا ومزارًا مفتوحًا للعامة.

وقصر محمد على باشا وكذلك المنزل المجاور له والذي تبلغ مساحته 300 متر مربع ويتكون المنزل من طابقين والحديقة المجاورة له والتي تحيط به ومساحتها تبلغ 2000 متر مربع، حيث يتم تأجيره بمبلغ (15) ألف يورو في العام.

وإيرادات الوقف المصري باليونان تبلغ حوالي (70) ألف يورو تقريبًا في العام، كحصيلة إيجار لعدد (5) قطع فقط من تلك الأملاك، وهناك عدد (10) قطع أخرى لا يتم استغلالها.

تمثال محمد علي بجزيرة تشيوس اليونانية              تمثال محمد علي بجزيرة تشيوس اليونانية

وكذلك ترك محمد على باشا أثارًا بالغة القيمة في جزيرة كافالا وجزيرة تشيوس باليونان، تصل إلى (15) منشأة أثرية أوقافًا مصرية، ومصر وتبحث استغلالها، وهي كالتالي:

1- تمثال محمد على يمتطي جواد شاهرًا سيفه في ميدان عام تملكه الأوقاف المصرية.

2- منزل والد محمد على في موطنه الأصلي الذي يقع في الوقت الحالي في دولة اليونان.

3- مبنى الكلية البحرية ويسمى (الإيمارت) بمنطقة كافالا باليونان.

4- مبنى الكلية البحرية ويستخدم كفندق وقاعة مؤتمرات ويتم دراسات لاستغلاله بشكل أفضل.

5- المبنى الخاص بمنزل محمد على باشا وهو بجزيرة كافالا باليونان.

6- مبنى المدرسة البحرية (الغيمناسيوم) بجزيرة تشيوس والمطل على بحر إيجة باليونان.

7- منزل الألباني بجزيرة تشيوس باليونان وهو مملوك للأوقاف المصرية.

تصريحات وزير الأوقاف تجاه شائعات عن التنازل عن ممتلكات بجزيرة تشيوس

في تصريح لوزير الأوقاف المصرية بإحدى الجلسات العامة بمجلس النواب المصري قال: أن ملف الأوقاف المصرية باليونان يتم متابعته من ثلاث جهات هي مكتب الرئيس ورئيس الوزراء ووزارة الخارجية، وأنه يتم متابعته بصورة غير مسبوقة مؤكدًا أن الدولة لن تفرط في أي ذرة رمل من ترابها، وأن العلاقات المتميزة بين مصر واليونان تساعد بشكل كبير في إحياء الملف وإمكانية استرداده، وأن الملف أمانة في العنق ولا صحة لما يشاع افتراءً وكذبًا بشأن التنازل عن أملاك الأوقاف بجزيرة تشيوس اليونانية.

ما انتهت إليه المفاوضات السابقة حول الوقف المصري باليونان

مصر قامت بالعديد من المفاوضات المستمرة مع اليونان بشأن هذا النزاع حول أملاك الأوقاف المصرية بجزيرة تشيوس والتي تخص في الأصل أسرة محمد على باشا والي مصر، وقد استمرت تلك المفاوضات منذ بداية عام 1960م وحتى انتهت في عام 1984م، وقد انتهت التسوية إلى اتفاق رسمي ذكر أن ممتلكات أوقاف مصر هناك تبلغ (20) وقفًا بمدينة كافالا وجزيرة تشيوس.

وقد نصت التسوية على أن تمثال محمد على باشا وكذلك قبره آثار لا تقدر بمال وهي تخضع لإشراف مصر واليونان للحفاظ عليها، وتم توقيع الاتفاقية في عام 1984م، وقد أشرف عليها جهات عليا بالدولة منها وزارة الخارجية وكذلك وزارة التعاون الدولي برغم إنها ملكية خاصة بالأوقاف المصرية لخطورة الأمر ودقته، وقد تم حل الخلاف دون انتقاص للحق المصري.

منزل محمد على باشا الذى تحول إلى متحفمدخل منزل محمد على باشا والذى تحول بعد ذلك إلى متحف

وأن سبب النزاع في الأصل هو أن مصر كانت مملكة علوية في هذا التوقيت وامتدت ملكيتها شمالًا وجنوبًا ولكن الآن انحصرت وبقي لها بعض المعالم المشتركة مع دول أخرى وعلى أرض هذه الدول، وفيما بعد إعلان الجمهورية لم تمتلك مصر أي جزر بأكملها بناءً على هذا الإعلان عن الجمهورية المصرية بنظامها الرئاسي، وقد تم حل هذا النزاع بأن يتم الاحتفاظ لمصر بممتلكاتها والتي تخص الأسرة العلوية هناك والتي تنتسب مباشرةً لمحمد على، أما دون ذلك في هذه الجزيرة فهي ممتلكات دولة أخرى فلا يوجد سببًا لملكيتها لمصر.

هل هناك أحقية لمصر في جزيرة تشيوس اليونانية؟

ربما يثار اللغط بسبب الفرمان الصادر من السلطان العثماني بأن جزيرة تشيوس أو (طاشيوز) انتقلت إلى أملاك محمد علي، حيث يُعد حجر الأساس في أحقية مصر بملكية هذه الجزيرة هذا الفرمان، وحقها في إقامة دعوى لاستردادها، وبسط سيادتها الكاملة عليها عملاً بأحكام التراث الدولي، وذلك تطبيقًا للخصوصية الدينية التي أضفاها وقف محمد على باشا لهذه الجزيرة، هذا على حسب قول إبراهيم البيومي غانم، أستاذ العلوم السياسية.

وقد أفردت Daily news Egypt  مقالًا بعنوان: زيادة نسبة التعدي على الأثار المصرية بنسبة 75%، حيث يتبنى المقال أن هناك بعض التقييم الزهيد لبعض الممتلكات المصرية ويُرجِع ذلك إلى كون وزارة الأوقاف لا تدير ممتلكاتها مباشرةً في اليونان، لكنها تقوم بتأجيرها للمستثمرين باليونان، وأنها في حالة عدم تأجيرها تصبح مهجورة ومعرضة للانتهاكات، وقد سعت الأوقاف المصرية إلى زيادة القيمة الإيجارية لممتلكاتها، وقد تم عقد صفقات لزيادة الإيجار بمقدار 300 يورو شهريًا، لكن إهمال الوزارة جعل الصفقات غير مكتملة، حيث تهرب المستأجرين من أداء التزاماتهم تجاه الأوقاف المصرية مما دفعها إلى اللجوء للقضاء المصري اليوناني.

الرئيس المصري واليوناني

وقد أفردت أيضاً Daily news Egypt مقالًا بعنوان: الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وميتسوتاكيس اليوناني يعقدان محادثات في العلمين الجديدة، في 3 أغسطس 2023 حيث تناولا العلاقات الثنائية وطرق تعزيز الاتفاقات الثنائية وآليات تنفيذها، وقد تبادل وفود البلدين مناقشة الأطروحات الخاصة بتلك الاتفاقيات وطرق تعزيزها.

وجدير بالذكر

أنه في يوم 5 يوليو 2023 حوالي الساعة التاسعة والنصف صباحاً شبَّ حريق بوزارة الأوقاف بغرفة الخوادم بالطابق الأول علوي (الدور فوق الأرضي) صعودًا إلى أعلى المبنى؛ مما أدى للاحتراق الكامل لبعض حجرات الدور الأول علوي، والسطح الخاص بمبنى الوزارة، مسببًا عددًا من التلفيات والتي جاري حصرها، وقد باشرت النيابة المصرية تحقيقاتها في الحادث، وقامت بتشكيل لجان مختصة لبحث كلاً من التلفيات الإنشائية والأضرار ومدى إمكانية الإصلاح وتكلفتها، وكذلك حصر الموجودات قبل وقوع الحريق وحصر المفقودات وجرد الأصناف.

جزء من أثار حريق وزارة الأوقافجزء من آثار حريق وزارة الأوقاف

تاريخ ثورات التصحيح في مصر والوجهة القادمة نحو المعسكر الشرقي


ونحن على أعتاب تغيير توجه مصر من المعسكر الغربي للمعسكر الشرقي، يجب فهم آلية ثورات التصحيح في مصر لنقل التوجه نحو المعسكرات الغربية والشرقية.

فإفريقيا يتم إعادة توجهاتها بالكامل والأحداث متسارعة وسط هياج غربي لحجم التغيرات المتنامية في إفريقيا، حيث يتم نزع دولة بعد دولة من قبضة الغرب.

فتاريخ مصر على وجه الخصوص مليء بثورات التصحيح للنظام وفيما يلي أهمهم وما سوف يأتي منها:

ثورة التصحيح الأولى:

فبعد التحرك العسكري ضد الحكم الملكي والذي قاده ضباط جيش مصريون ينتمون لتنظيم الضباط الأحرار في 23 يوليو 1952، أدى لإلغاء الملكية ونفي الملك فاروق الأول لإيطاليا وتحول نظام الحكم في مصر إلى جمهورية رئاسية، وعرف في البداية باسم «الحركة المباركة» ثم أطلق عليها ثورة 23 يوليو عقب حل الأحزاب السياسية وإسقاط دستور 1923 في يناير 1953.

كان قائد الحركة التي سميت فيما بعد بالثورة هو اللواء محمد نجيب والواقع أنه اُختير من خلال الضباط الأحرار كواجهة للثورة لما يتمتع به من سمعة حسنة داخل الجيش وكان اللواء الوحيد في التنظيم وكان سبب انضمام الكثير من ضباط الجيش للضباط الأحرار.

حيث كانت تبعية البلاد إلى الغرب الإنجليزي، وكان من أسباب تحريك المياه الراكدة في إعادة تشكيل المنطقة من جديد لضمان نقل التبعية إلى الدولة الصاعدة الولايات المتحدة الأمريكية.

حيث قامت في حقيقتها على أكتاف جزء من النظام ذو التأثير الضعيف في الحياة السياسية ليتشكل منه نظام سياسي جديد يقود المرحلة الرئاسية، ولم تتاح للعامة أن يصلوا إلى قمة السلطة، فبطبيعة الحال هي حركة من داخل النظام لتصحيح التوجهات التي أصبح النظام الملكي عاجزاً عن اجتيازها، وخاصة إمكانية تنفيذ اتفاقية سايكس بيكو في ظل وجود الملكية، وما يتطلبه ذلك من تغيير بالنظام.

ثورة التصحيح الثانية:

عندما بدأ صراعا على السلطة نشأ بين محمد نجيب وبين جمال عبد الناصر بعد أن رأى اللواء محمد نجيب ضرورة تسليم السلطة لسلطة مدنية منتخبة، استطاع جمال أن يحسمه إلى صفه في النهاية وحدد إقامة محمد نجيب في قصر زينب الوكيل حرم مصطفى النحاس باشا بضاحية المرج شرق القاهرة لحين وفاته. وتولى جمال عبد الناصر بعد ذلك حكم مصر من 1954 حتى وفاته عام 1970 واستمد شرعية حكمه من ثورة يوليو.

حيث تعتبر ثاني ثورة تصحيح للنظام بأن استمد شرعيته من ثورة التصحيح الأولى وهنا كان لابد أن يصاحب تغيير وجهة النظام اقتصاديًا نحو الشرق لتكون المفاجئة بالتوجه نحو روسيا والنظام الاقتصادي الاشتراكي.

ثورة التصحيح الثالثة:

عندما أصبح النظام في ورطة حيث تعددت السلطة في مصر واستحال بقاء الوضع على ما هو عليه، فجاءت هزيمة 67 سبباً رئيسياً لثورة تصحيح، جاءت مصارحة الشعب فيها وتحمل المسئولية، حيث جاء تنحى عبد الناصر في مساء 9 يونيو 1967، عن رئاسة مصر متحملًا مسئولية الهزيمة في حرب 5 يونيو 1967، إلا أنه تراجع عنها في اليوم التالي بعد خروج ملايين الناس للتظاهر رفضًا لتنحيه، وكان خطاب التنحي يحمل المسئولية لكلا المعسكرين الغربي والشرقي بطلبهم ضبط النفس وعدم البدء في الحرب كما جاء بالخطاب، وراعى عبد الناصر أن يكون الخطاب مفصلاً وطويلاً، وفي ظاهره التنحي وفي طياته مطالبة بثورة تصحيح.

وعليه بدأ تغيير في هيكل النظام ولم يصاحبه تغير للتوجه لمعسكر آخر، مما صعب المهمة حتى جاء من بعده السادات محاصراً في هذه التركة ليجد نفسه هو الآخر في مرحلة ما قبل ثورة تصحيح للنظام ولكن متى وكيف وهو أضعف جزء في النظام، وكان مجرد واجهة تتحمل التبعات لاستقرار وضع اللاسلم واللاحرب مع إسرائيل.

ثورة التصحيح الرابعة:

وتعرف أيضًا بأحداث مايو 1971، وهو المصطلح الذي أطلق على عملية تنقيح الرئيس أنور السادات السلطة في مصر بعد إزاحته الناصريين اليساريين.

حيث أنه عقب وفاة جمال عبد الناصر تولى أنور السادات مهام الرئاسة وأعقب ذلك في 15 مايو 1971م قيامه بحركة للقضاء على نفوذ ما عرف بـ (مراكز القوى) السابقة التي تمتعت بقدر كبير من السلطات في عهد عبد الناصر. من أبرز الشخصيات التي وقع إبعادها:

نائب رئيس الجمهورية علي صبري.

وزير الحربية الفريق أول محمد فوزي.

رئيس المخابرات العامة أحمد كامل.

وزير الداخلية شعراوي جمعة.

وزير الإعلام محمد فائق.

رئيس مجلس الأمة محمد لبيب شقير.

وزير شؤون رئاسة الجمهورية سامي شرف.

كان ذلك نتيجة لمحاولة هؤلاء بالقيام لانقلاب على نظام الحكم حيث استطاع كشف مخططهم بمحاصرتهم وإلقاء القبض عليهم داخل مبنى الإذاعة والتلفزيون وقد استعان في ذلك بعدة أشخاص أهمهم الليثي ناصف قائد الحرس الجمهوري وقتها.

وأعقب ذلك بعض إرهاصات التغيير غير المعلن نحو المعسكر الغربي انتهى بكامل التوجه مع تغيير النظام الاقتصادي وتم تتويجه بالانفتاح الاقتصادي، إلا أن السادات بدا وكأنه يريد عمل ثورة تصحيح بنفسه وذلك ليس لبقاء النظام ولكن بما يهدد بقاءه، لذلك وجب أن يقود ثورة التصحيح الجديدة شخص من داخل النظام.

 ثورة التصحيح الخامسة:

قد أصبح السادات عبئاً بعد أن استعمل الجماعات الإسلامية في مواجهة الناصريين وكذلك علاقته المتأزمة مع بعض دول الجوار، وكذلك طموح السادات نحو تغيير شامل بالنظام، أدى بطبيعة الحال لرغبة الجميع في التغيير، فقد كان السادات ينوي التنازل بإرادته عن الرئاسة، وفقًا لوثائق بريطانية.

حيث تم اغتيال الرئيس محمد أنور السادات بحادث المنصة أو عملية الجهاد الكبرى كانت خلال عرض عسكري أقيم بمدينة نصر بالقاهرة في 6 أكتوبر 1981 احتفالاً بالانتصار الذي تحقق خلال حرب أكتوبر 1973. نفذ عملية الاغتيال الملازم أول خالد الإسلامبولي الذي حكم عليه بالإعدام رمياً بالرصاص لاحقاً في أبريل 1982. وعقب الاغتيال تولى صوفي أبو طالب رئاسة الجمهورية مؤقتا لمدة ثمانية أيام وذلك من 6 إلى 14 أكتوبر 1981 حتى تم انتخاب محمد حسني مبارك رئيساً للجمهورية.

حافظ بعد ذلك حسني مبارك على استقرار حكوماته أطول فترة ممكنة وجاء بالسلفيين في مواجهة المد الإخواني وكانت علاقته جيدة بدول الجوار، إلا أنه في الفترة الأخيرة من حكمه شكل عائقاً أمام الدول الغربية نحو مزيد من التنازلات بالإضافة أن مشروع التوريث ظل هاجساً يشكل عقبة أمام بقاءه لحين تسليم الحكم، إلى جانب أنه لم يقدم أحد من داخل النظام ليكون نائباً له، مما جعل الأمور ضبابية وكان لابد من السعي نحو ضمان آلية التغيير.

ثورة التصحيح السادسة:

جاءت دعوات 25 يناير وما بعدها تشكل حركة شعبية في ظاهرها لها جذور وأسباب، ولكن الغريب أن النظام الممثل في الجيش لم يكن منزعجاً من هذه الحركة مثل باقي النظام السياسي الذي زج جزء منه في السجون لفترة، وكان في البداية يحاول حسني مبارك إقناع الجيش أن التغيير من داخل النظام، فأتى بعمر سليمان نائباً وشفيق رئيساً للوزراء، إلا أن هذه الاختيارات لم تكن على هوى البعض بالخارج والبعض بالداخل فهي تشكل خطراً وبقاء لنفس المشكلة بعدم وجود تنازلات إضافية للمعسكر الغربي والذي جعل دويلة قطر هي الرقيبة على النظام لاستثارة دول الجوار الأخرى.

لذلك تم الدعم وخاصة الخارجي من القوى الغربية للإخوان ليكونوا سبباً في أكثر التنازلات فيما بعد، فكانت ثورة تصحيح من خلال كومبارس، ليس له وجود في السلطة الحقيقية ولكن له سلطة مارسها على الشارع فأفسد علاقته بالشارع حتى جاءت ثورة التصحيح قبل الأخيرة.

ثورة التصحيح السابعة:

حيث تم استدعاء الشعب بعد خلع مرسي من خلال الجيش، حيث جرت مظاهرات 30 يونيو 2013 في مصر في محافظات عدة، نظمتها أحزاب وحركات معارضة للرئيس محمد مرسي. توقيت المظاهرات كان محددًا مسبقًا منذ أسابيع. طالب المتظاهرون برحيل الرئيس محمد مرسي، الذي أمضى عامًا واحدًا في الحكم. في يوم 3 يوليو، وأعلن وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي وقتها إنهاء حكم محمد مرسي، وتسليم السلطة لرئيس المحكمة الدستورية العليا، المستشار عدلي منصور الذي رقَّى السيسي إلى رتبة المشير بعد ثمانية أشهر.

وصولاً لرئاسة عبد الفتاح السيسي والذي بدأ حكمه في عام 2014 حتى وقت كتابة المقالة

ثورة التصحيح الثامنة:

كما استعرضنا أن ثورات التصحيح تحدث إما عن طريق رأس النظام مثل السادات أو جناح من النظام الثورة على الملكية وثورة 25 يناير، إلا أننا أمام وجوب تغيير المعسكر والتوجه نحو المعسكر الشرقي واختيار نموذج اقتصادي يتناسب مع هذا المعسكر وآلياته، حيث بات واضحاً أن إفريقيا يتم انتزاعها من المعسكر الغربي ويتوقف اكتمال النزع على دولتي مصر والجزائر، ومصر بالذات سيكون لها الدور الأساسي في هذا التشكل للقوة الإقليمية الإفريقية، وأصبح هناك خياراً ملحاً لتحديد الوجهة، فما تم زرعه من مشاكل اقتصادية أحاطت بمصر، هو ذاته الذي يجعل تغيير الوجهة شيء لابد منه.

الغريب أن معظم الخطط الغربية بالمنطقة باتت سبباً مباشراً لنجاح روسيا والصين في تواجد تأثيرها على إفريقيا، وكأن الغرب يزرع الأسباب اللازمة لذلك.

ويأتي السؤال من سيقوم بثورة التصحيح للتوجه للمعسكر الغربي، هل رأس النظام أم جناح من داخله، ومن أهم المعوقات دور الإخوان في مواجهة تغيير الوجهة وأيضاً داعش.

وفي كل الحالات ستأخذ الأمور منحنى متسارع أسرع مما نظن، ولكن أياً ما كان التوقيت، فسوف يسبقه مصارحة للشعب عن بعض الأمور التي تبرر هذا التوجه، ففور أن ترى أو تسمع عن مصارحة ما، فاعلم أن عجلة الأمور تتسارع والوجهة تتبدل.

غربة دين الفرد داخل دين المجتمع

 


إشكالية الفرد مع الدين تكمن في اختلاف السلوك المرجو من خلاله، وهذا مرهون بقناعات المجتمع ككل، فهناك فرق كبير بين دين الفرد ودين المجتمع.

فالمجتمع يعمل دائماً على إزاحة دين الفرد نحو ما أراد من خلال النسبة الغالبة من المجتمع الذين برون الدين من وجهة نظرهم المتشددة أو المتطرفة أو المتصوفة أو المفرطة... إلخ.

والنسبة الغالبة التي تسيطر على الدين لابد أن تصاحبها قوة حكم ومُلك أو قوة تقديس.

فكان الحاكم أو القديس (الشيخ – القسيس – الراهب – الحاخام... الخ) أو كلاهما يشكلان الدين من وجهة نظرهما بما يمكنهما من التسييس للناس في حالة المُلك أو التمكين من نيل القداسة في حالة القديس.

وكان الدين من خلال هذا الصراع للتسييس ونيل القداسة عبارة عن محاكاة الهوى في بعض النقاط والتشدد في البعض الآخر بما يضمن امتلاك زمام الأمور.

وبالطبع إذا كان هناك من يتبع الحق كأفراد فسوف تذروهم الرياح فلا يملكون القوة أو القداسة اللازمة لاستقرار دينهم الذي صنعوه كنسخة من مفهومهم الذي يريدوه واقتعوا به.

فاستقر عبر الزمن نسخ متعددة كترجمة لمراحل مُلك وقداسة وعندما اصطدم هذا كله في العصر الحديث بعد أن أصبح كل حدب وصوب موجود بين أيدي العامة، فارتكن أصحاب المُلك والقداسة إلى وصف هذا الاختلاف الفج بأنه حكمة التيسير بالأخذ ما بين الآراء التي هي في الأصل نابعة في الكثير منها عن هوى أصحاب المُلك والقداسة.

ومن هنا كان طريق الأفراد الملحدين للإلحاد أسهل في مواجهة هذا الحصار من المجتمع، ومن هنا جاءت حدود الردة، فالفرد لم يعد مع هذا المُلك والقداسة على مر الزمن مسئولاً عن عقله ودينه.

بل بحثت المجتمعات عن وثن يجمع بين المُلك والقداسة مثل المُخلص والمهدي وشيفا وماثيريا وبراهما وغيرهم من الشخصيات التي أعطوهم سلطة عليا في مخيلة الناس، فناطحت الإله في تصورها.

وأصبح الفقه الذي تجمع روافده يختلف اختلافاً واضحاً مع أصل الكتاب الإلهي، وأصبح هناك أصناماً تتخذ لله زلفى بديلاً عن الكتاب أهمهم أصحاب المُلك والقداسة.

بل الأدهى أن أصحاب المُلك والقداسة فوضوا أنفسهم في الدنيا أن يتكلموا بدلاً من الإله.

ففي الأصل كل حجيج نفسه، ولكن يظن الكثير أن أصحاب القداسة والمُلك سوف ينفعوهم يوم أن يتم حسابه وأنه سوف يتعلق برقابهم يوم يتبرؤون منهم جميعاً.

هل الله يخشى؟!

 

قال تعالى:

الخشية ليست هي الخوف ولا تمت له بأي صلة وإنما من يخشى والأفضل أن تكون منطوقة (يخشي) في حالة اتباع الصراط المستقيم وفي هذه الحالة الأخيرة يكون المعنى كالتالي:

يخرج من داخل المتشابهات أو الأقسام أو الأجناس، أي يخرج من المختلفات أو ما مجل خلاف، فيضبط أموره وأحواله ضبطاً تاماً بما هو مبين وواضح كالصراط المستقيم.

إذن الخشية هي الخروج عن نطاق المتشابهات والفتن واتباع الصراط المستقيم هذا بالنسبة للإنسان عندما يخشي الله أو على الأقل يخشى الله فيجتنب الفتنة فقط والمتشابهات.

ولكن هل الله يخشى

بالطبع الله يخشى ولكن بالمعنى المطلق للألوهية؟!

فالمعنى المطلق: الله يخرج وينَزِّل من عالم الأمر متشابهان وأجناس مختلفة من نفس المخلوقات فيضبط أحوالها في إطار عالم الدنيا فتكون لازمة لبقاء الحياة حالة التنوع تلك، فخلق من الإنسان والزرع والجبال ما هو مختلف ألوانه وأجناسه وأجزاءه.

لذلك لم يعوا خشية الله من عباده العلماء فذهبوا يقبلوا الأمور يمينًا ويسارًا فاهلكهم نحو سيبويه.

فالله يخشى بأن أخرج من عباده متشابهات وأقسام وأجزاء من العلم والعلماء فكان هناك الكيمياء، والفيزياء والرياضيات والأحياء.. الخ، كما كان من الجبال ألوان رغم أن الأصل واحد فالعلم علم الله، ولكنه أخرج لنا من العلوم ما يمكننا بتجزئة الإدراك بما يتناسب وينفع البشر، والآن يمكن أن تقرأ من جديد قوله تعالى:

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} (سورة فاطر 27 - 28)

والآية توضح توضيحًا تاماً بمشروعية تعدد العلوم الدنيوية بضوابط عدم الخروج عن السنن الإلهية وإن يعملوا بها مساجد الله ولا يخربوها، فمساجده الأرض والزرع والبذور والخلفية والذرة... الخ.

وفي موضع آخر قي قوله تعالى:

{وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا} (سورة الكهف 80)

والفاء عندما تأتي تشير مفارقة حالة اعتيادية أو ما تم الاعتياد لحالة أخرى غير معتادة.

وهو خروج وظهور العديد من المتشابهات من فتن تسبب إرهاق والديه وجلاءها ووضوحها بالفعل، وأصبحت بائنة واضحة، فكانت تنقية هذه المتشابهات والفتن وضبطها من جديد وإبعاد الوالدين عن هذه الفتن التي تسبب فيها ابنهم.

وهكذا الخشية ليست الخوف أو الرهبة، ولكن بالنسبة للإنسان الخروج من نطاق الفتن والمتشابهات وتخريب الصراط المستقيم.

أما بالنسبة الله تعالى فهي خاصية هامة وقانون لتنوع الخلق والأجناس والعلوم والمتشابهات وحتى الفتن والمتشابهات هي قوانين إلهية لتمحيص الناس

فالمطلق يختلف عن المحدود

أيهما مسجد وأيهما مسجد جامع؟!



قال تعالى:

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ} (سورة النور 62)

فكثيراً ما يشار للمسجد أنه جامع فلماذا؟

سجد

المسجد من سجد، وهي كلمة لها معنى مطلق ومعاني محدودة

أما المطلق

السين: سنن الله التي فطر الأشياء عليها.

الجيم: الجامع لمكونات هذه السنن في اكتمال جلال ظهورها.

فسجود الشمس مكونات طلوعها وصولاً لغروبها بالنسبة للأرض التي هي الأخرى لها دورة وسنة ساجدة لها وهي في مكوناتها سنة الشروق والغروب اجتمعت سنن مكوناتها السجود لأمر الله فيهم.

وكذلك الزرع ساجد لله في نموه، ولكن مكوناته من ارض وبذرة وماء وشمس وهواء وأملاح إلخ ساجدين هم الآخرين ففي جلال تكوينهم وسجودهم مجتمعين يتجلى بالجسم في ظهور الزرع ونموه.

الدال: فهو القصد والنية من السنن باجتماعها ودليل وبرهان هذه السنن الإلهية واجتماعها.

إذن السنة الإلهية ناتج سنن مجتمعة تجليها في عالمنا لها قصد إلهي وحكمة ولها دلائل وبراهين، فتصير سجد.

مسجد

أما الميم عندما توضع قبل السين في عالمنا الدنيوي تصير الإشارة هنا إلى مسجد.

 فالميم هي جمع هؤلاء الساجدين في قالب مادي يجمعهم ويضمهم ويتداخلوا فيه فيصير سجود مكونات الزرع في مسجد هو الأرض.

فالمحيط المادي الذي يجمع سنن جلت بقصد ودليل وبرهان يصير مسجد، فصار في المعنى المحدود موضع تنفيذ سنة الله في الصلاة وتجمع المسلمين فيه السجود لهذه السنة الإلهية التي سنها عليهم، فيطلق عليه مسجد ولكن في الحقيقة كل ما في الكون وكل الكون مسجد.

قال تعالى:

{يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (سورة الأَعراف 31 - 32)

فكل ما على الأرض زينة في مساجد والابتلاء بأن لا تخرجها عن سنتها التي سنها الله لها ولا يتم تخريبها، قال تعالى:

{إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (سورة الكهف 7)

الجامع

أما الجامع من لفظ جمع، وإذا تناولناه من وجهة السجود فهو يعبر عن جزء من مراحل السجود وهو حرف الجيم في السجود بشرط أن تكون صفته جامع.

فجمع مكونات الزرع واصطفاف عناصره من بذرة وأرض وماء وأملاح... الخ بكامل العناصر مكتملة وتامة ومتآلفة ومضبوطة في قالب مسجد واحد من خلال حرف الألف فهي مجتمعة ومجموعة وموصولة بعضها البعض ومتداخلة مع بعضها البعض من خلال حرف الميم فيأتي هنا دور حرف العين وهو الوصول للعمق المطلوب من السجود فيكشف سجود هذا الجمع من العناصر عن الزرع وهو القصد من السجود.

فحتى بالمعنى المحدود في مسجد يصلي فيه الناس تكون الجيم جامع وليس مجرد أداء حركي وسجود ظاهري عندما يجتمعوا بظاهر جسدهم وباطن نفوسهم وبينهم تآلف وتراحم وضبط أمورهم وأحوالهم فيتداخلوا في أمور بعضهم البعض لمعاونة بعضهم البعض ليكتشفوا عن بعضهم البعض معاناتهم ويفرجوا الكرب والحزن والفقر... الخ، فيصير نتاج سجودهم في المسجد جامع بينهم وكاشف عنهم ما قد يصيبهم هنا يصير المسجد جامع بالنسبة لهم.


هل الله يقسم ويحلف بشيء من مخلوقاته؟!

 


قال تعالى:

{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} (سورة الواقعة 75 - 77)

{ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } (سورة الحاقة 38 - 40)

{فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} (سورة المعارج 40 - 41)

{لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ} (سورة القيامة 1 - 3)

{فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} (سورة التكوير 15 - 19)

{فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} (سورة الِانْشقاق 16 - 19)

{لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} (سورة البلد 1 - 4)

أقسم من قسم ومنها تقسيم ودائماً إذا كان الله من يتكلم فلابد أن نضع الكلمة الإلهية في معناها المطلق وليس المحدود الذي نتداوله فيما بيننا.

قسم

القاف: هي خروج أو تنزيل أمر الله تعالى ليندمج مع شيء ما في ملكوته ليغير حالة هذا الشيء فنقول قسم الله له ذلك ونقول هذا من قسمته، فهناك تغيير حال من خلال هذه القسمة.

قال تعالى:

{أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} (سورة الزخرف 32)

السين: تعني أن أمر التنزيل سُنة إلهية بمقياس معين هام لحركة الحياة.

الميم: تعني جمع شيء مادي أو محسوس بمن تنزل عليه الأمر لتنفيذ الأمر والاندماج للأمر به والتغيير لحالته بناء على هذا الأمر الإلهي.

إذن لو قلنا قسم الله أي أنزل أمره ليندمج مع مخلوق في عالم الخلق أو عالم المادة فيتغير حاله من حال إلى حال آخر في عالم الدنيا.

أقسم

والآن إذا أضاف الله تعالى حرف الألف لما قسمه فصارت أقسم.

هنا تم تغيير الحروف وتشكيل السين وشتان ما بين السين هنا والسين الأولى

فالألف: مضمومة أي أن هناك ضرورة لضبط الأمر وتآلفه مع عالم الدنيا فيكون هناك تغيير حال ظاهر وتغيير حال باطن فالألف هنا آلية ضرورية في تنزيل أمر قسم.

ولكن السين مكسورة أي أن الأمر الإلهي يخرج منه سنة التغيير لعالمنا المادي من حال لحال آخر هذا التغيير جذرياً

فتغيير السنة الإلهية للشمس ما بين شروق وغروب هي قسمة نعتبرها آلية حركية تعطي تغير منتظم إلا من خلال السين المكسورة يكون التغيير جذري وليس له علاقة بانتظام السنن العادية المتعارف عليها.

إذن حين يقول الله تعالى فلا أقسم بكسر السين ما يعني أن هذا الذي سيأتي من سنن إلهية بعد هذا اللفظ لن يفارق سنته المفطور عليها.

ولكن جاء النفي في موضع مثل بالخُنس ومواقع النجوم بكسر الباء.

وهذا يعني أن السنة التي لن تفارق حالتها ولن تتغير ما بدى لنا منها وظهر واستخرجناه لحياتنا واستفدنا من أوجه الاستفادة منها للحياة واستقرار الحياة الدنيوية فلا تغادر حالتها التي استقرت عليها.

الخلاصة

فلا أُقسِم أو لا أُقسِم هو تأكيد على عدم خروج السُنة الإلهية عن قوانينها التي استن عليها بها وما يليها من قول مثل (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) هو أيضاً يخضع لنفس الشرط أنه لا تغيير عن سُنة صفة القرآن وهكذا في كل موضع من الآيات التي أسلفنا ذكرها (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)، (إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ)، (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ)، (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)، (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ)، (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ).