القائمة الرئيسية

الصفحات

مقدمة السلسلة: مفترسو الهيمنة: تشريح الشخصية التي لا تقبل الند

 


مقدمة السلسلة

مفترسو الهيمنة: تشريح الشخصية التي لا تقبل الند

في كل منظومة بشرية — أسرة، مؤسسة، فريق عمل، أو حتى دولة — يظهر أحيانًا نمط من الأشخاص لا يرى العلاقات باعتبارها شراكة، بل ساحة صراع. لا يحتمل المقارنة، ولا يقبل الندية، ويُعيد تعريف النجاح على أنه غلبة لا إنجاز. بالنسبة له، وجود شخص قوي آخر ليس إضافة، بل تهديد.

هذه السلسلة لا تُعالج الانحرافات السلوكية بوصفها انطباعات أخلاقية، بل تُحللها ضمن أطر علمية راسخة في علم النفس الحديث، خصوصًا ما يُعرف بـ
Dark Triad
وما يرتبط به من مفاهيم مثل
Malignant Narcissism
و
Narcissistic Personality Disorder.

المسألة ليست مجرد "شخص صعب" أو "قيادي حاد الطباع". الفارق الجوهري يكمن في الدافع الداخلي:
هل الهدف هو تحقيق نتيجة؟
أم إثبات تفوق دائم حتى لو كان الثمن تدمير البيئة المحيطة؟

سنفكك هذا النمط عبر استعارات حيوانية رمزية، لا بقصد الوصم، بل لتقريب الصورة الذهنية:
العقرب حين يلدغ بدافع الغريزة حتى لو خسر.
الذئب المنفرد الذي يرفض القطيع.
الأخطبوط الذي يُحكم قبضته بأذرع خفية.
الطاووس الذي يُبالغ في العرض لإخفاء هشاشة عميقة.

لكن خلف الرمزية يقف سؤال علمي جوهري:
لماذا يخاف بعض البشر من الندية إلى هذا الحد؟
ولماذا يتحول التنافس الطبيعي لديهم إلى صراع صفري؟
ولماذا تنتهي مساراتهم غالبًا بعزلة أو احتراق مهني؟

تُظهر الأبحاث أن الهيمنة المرضية ليست قوة خالصة، بل غالبًا قناع دفاعي يخفي خوفًا عميقًا من فقدان القيمة. وعندما تصبح قيمة الذات مرتبطة بتفوق دائم على الآخرين، يتحول العالم إلى تهديد مستمر. وهنا يبدأ السلوك المفترس: الإقصاء، التشويه، خلق الصراعات، وإضعاف أي شخصية قد تُشكل ندًا محتملًا.

المفارقة التي ستكشفها هذه السلسلة أن هذا النمط، رغم قدرته المؤقتة على فرض السيطرة، يحمل في داخله بذور تآكله الذاتي. لأن القوة التي تُبنى على الإقصاء لا تُنتج ولاءً، والهيمنة التي تُصادر الثقة تُفقد صاحبها رأس ماله الاجتماعي.

هذه السلسلة ليست مرافعة ضد أشخاص، بل قراءة تحليلية لنمط سلوكي متكرر في التاريخ والمؤسسات والحياة اليومية.
فهمه بدقة يمنحنا القدرة على:

  • التمييز بين القيادة الحازمة والهيمنة المرضية.
  • حماية البيئات المهنية من السلوك المدمر.
  • وإدراك كيف تتحول بعض صور القوة إلى مسارات انهيار بطيء.

في المقالات القادمة، سننتقل من الرمز إلى التحليل، ومن الظاهرة إلى الجذر النفسي، ومن السلوك الظاهر إلى البنية العميقة التي تحركه.


انت الان في اول مقال

تعليقات