القائمة الرئيسية

الصفحات

«فاطر»… حين تتحول الحروف إلى حركة كونية وقوانين وجود



ليست كلمة «فاطر» لفظًا يُتلى، ولا توصيفًا لغويًا جامدًا لحدث الخلق، بل هي خريطة حركة، وسيناريو تكوين، وقانون وجود مكتوب بحروف قليلة تختزن تاريخ الانفصال والاتصال، التنافر والاتزان، التفكك وإعادة البناء.

الفاء ليست حرف عطف عابرًا، بل إعلان مفارقة. مفارقة لما كان معتادًا، وانفصال عمّا كان متصلاً.
فالسموات والأرض ـ كما تقرر آيات الرتق ـ لم تكونا كيانين منفصلين، بل مخلوقًا واحدًا مندمجًا، متداخل العناصر، متكامل الوظيفة، يستحيل فيه التمييز بين الأعلى والأسفل.
ثم جاءت الفاء لتعلن لحظة الكسر: لحظة الخروج من الحالة الواحدة، لحظة التنافر، لحظة تشتت المكونات وتبعثرها داخل بعضها البعض، في حدث لا يشبه ما سبقه ولا يعود إليه.

ثم يأتي الألف… لا ليهدئ الفوضى فورًا، بل ليمنحها زمنًا.
زمن توافق على التنافر.
زمن قبول الوضع الجديد.
فلا عودة للاندماج الأول، ولا انهيار كامل، بل حالة وسطى تسمح بترتيب الاختلاف، وبناء نظام جديد فوق أنقاض الوحدة القديمة.

ثم تحضر الطاء، حرف الإحاطة والتطويق.
تطويق السماء للأرض بعد التنافر.
وتطويق الأرض لذاتها.
فكل مادة أرضية لم تعد سائبة، بل أصبحت تتحرك داخل طوق سماوي، وتخضع لقوانين تحكم مسارها، وتُطوِّع نفسها لتتشكل في جسد واحد.
هنا تبدأ الكواكب في التمايز، والشموس في التحدد، والأجرام في اتخاذ أشكالها ومساراتها.
لم يعد الكون فوضى متنافرة، بل نظامًا مُطوَّقًا بقوانين.

ثم يأتي الراء… حرف الربط المزدوج.
ربط مواد الأرض بمراكز السماء.
وربط المواد الأرضية بعضها ببعض.
فالسماء لم تعد غلافًا فقط، بل مركز استقرار وتحكم، تُضبط به المواقع، وتُحكم به القوانين، فتستقر الأجرام في أفلاكها، «كلٌّ في فلكٍ يسبحون».
وفي الوقت نفسه، ترتبط مكونات الأرض داخليًا في بناء واحد، متماسك، تحكمه قوانين المواقع والوظائف، بحيث لا يطغى جزء على آخر ولا ينهار الكل بانفصال أحد مكوناته.

هكذا تصبح «فاطر السموات والأرض» وصفًا لحركة تكوين كاملة، لا كلمة ثناء، ولا تعبيرًا مجازيًا.
هي رسمٌ للصورة قبل اكتمالها، وشرحٌ للقانون قبل ظهوره، وكشفٌ للكيفية لا للنظرية.
فالقرآن لا يطرح فرضيات، ولا يبني تصورات ذهنية، بل يضع آليات الخلق كما هي، بلغة تتجاوز الزمن والعلم المرحلي.

ولو جُمعت كل الآيات التي تشير إلى خلق السموات والأرض، وفُحصت بذات الآلية، لانكشفت الصورة النهائية القاطعة.
فالآيات لم تتفرق عبثًا، ولم تُوزَّع بلا نظام، بل انتشرت داخل القرآن كما انتشرت مكونات الكون نفسه:
متباعدة في الظاهر، متصلة في الجوهر، متكاملة في الوظيفة.

الأعجب أن هذا النمط التكويني يتكرر بلا استثناء:
بين العرش والسماوات والأراضين،
وبين مخ الإنسان بشبكته العصبية،
وبين الجسد بأجهزته ووظائفه،
وبين المعالج الحاسوبي والمازر بورد ووحدات الإدخال والإخراج.

كلها كيانات متعددة، متفرقة في البناء، موحدة في القانون.
كلها في فلك تسبح
وكلها محكومة بقوانين تجمعها رغم تفرقها، وتصنع من الاختلاف وحدة، ومن التنافر نظامًا، ومن المفارقة خلقًا.

تعليقات