كرسي سليمان: امتحان السلطان وحدود الجسد
في آية واحدة يتكثف المشهد كله:
"وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ"
— سورة ص (34)
الحديث هنا ليس عن مقعدٍ يجلس عليه ملك، بل عن مركز سلطان، وعن اختبارٍ وقع في قلب القوة نفسها. لم تكن الفتنة ضعفًا، بل اكتمال قدرة. لم يُمتحن سليمان عليه السلام بالعجز، بل بما أُعطي من علمٍ ونفوذٍ وتسخير.
الفتنة: حين يجتمع العلم بالسلطان
الفتنة في هذا السياق هي اجتماع المعرفة بالقوة في يد بشر. علمٌ يُدار، وأمرٌ يُنفَّذ، وسلطانٌ يتحرك في الواقع. كانت القدرة بين يديه حاضرة وفاعلة، لا مجرد تصور نظري. وهنا يظهر مفهوم “الكرسي”.
الكرسي: موضع إدارة لا موضع جلوس
الكرسي في هذا الموضع ليس قطعة أثاث، بل إطارًا جامعًا لإدارة السلطان. هو نقطة التقاء الإرادة البشرية بالعلم المسخّر والقوى المنفِّذة.
وصفه القرآن بأنه جسد، لا جسمًا ولا بدنًا. والفرق مقصود:
الجسم: هيئة مادية مجردة.
البدن: البنية الحيوية الظاهرة.
الجسد: كيان مركب متكامل، له ظاهر وباطن، وله مركز يتحكم في أجزائه ويصدر عنه الأثر.
إذًا، كان كرسي سليمان جسدًا بمعنى أنه منظومة متكاملة، لها مركز إدارة، وتنبثق منها أوامر تتحرك في نطاق ملكه. هو بنية تشغيلية، إن صح التعبير، تتصل بالقوى المسخّرة وتوجّهها.
لماذا أُلقي جسد على كرسيه؟
التعبير القرآني يقول: “وألقينا على كرسيه جسدًا”.
الإلقاء يوحي بشيء وُضع على موضع سلطانه، كأن خللًا أو انقطاعًا طرأ على مركز الإدارة. لحظة اهتزاز في موضع السيطرة، ليظهر الحد الفاصل بين قدرة المخلوق وقدرة الخالق.
ثم جاءت الكلمة الحاسمة: “ثم أناب”.
الإنابة هنا رجوع إلى المصدر الأعلى، لا توبة من ذنبٍ ظاهر، بل عودة من الانشغال بأداة السلطان إلى واهب السلطان نفسه. أدرك أن كل جسد إداري، مهما تكامل، يظل محدودًا.
الفرق بين كرسي سليمان وكرسي الله
يقول تعالى:
"وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ"
— سورة البقرة (255)
المقارنة تكشف الفارق الجوهري:
كرسي سليمان:
مرتبط بإطار مادي.
يعمل ضمن حدود.
يمكن أن يعتريه خلل.
منفصل عن ذاته، يحتاج إلى تشغيل وإدارة.
كرسي الله:
لا يحتاج جسدًا ولا إطارًا.
هو سعة العلم والقدرة المطلقة.
قائم بذاته، لا يعتريه نقص.
إحاطة شاملة بالسماوات والأرض.
فكرسي المخلوق أداة، أما كرسي الخالق فإحاطة وسلطان مطلق.
الجسد في السياق القرآني
التعبير بـ“الجسد” يتكرر في مواضع دالة. العجل الذي اتخذه بنو إسرائيل وُصف بأنه جسد؛ لأنه كيان مادي مُجمّع له تأثير وهيمنة نفسية، وإن كان بلا روح. أما فرعون فذُكر “بدنه” لأنه بقايا حياة ظاهرة بلا مركز سلطان.
هذا يوضح أن “الجسد” يرتبط بالبنية المؤثرة ذات المركز، لا بمجرد الشكل.
الحضارة والكرسي
كل عصر يصنع “كرسيه”:
أنظمة إدارة، مراكز قيادة، وسائل تحكم عن بُعد، شبكات قوة. لكنها تبقى أجسادًا مادية، مهما بلغت تعقيدًا. الفارق ليس في وجود المنظومة، بل في علاقتها بالمصدر.
سليمان عليه السلام بلغ قمة السلطان الدنيوي، ثم أدرك أن هذه المنظومة مهما عظمت فهي محدودة. فطلب ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، ملكًا يتصل بعالم الأمر، لا بعالم المادة وحده.
قال تعالى:
"وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا"
— سورة البقرة (102)
المسألة ليست في امتلاك القوة، بل في توجيهها. ليست في الجسد، بل في الجهة التي يُردّ إليها الأمر.
الخلاصة
كرسي سليمان كان جسدًا: منظومة مادية متكاملة لإدارة السلطان ضمن حدود البشر.
كرسي الله ليس جسدًا: هو سعة العلم والقدرة التي لا يحدها إطار ولا تحتاج وسيطًا.
فتنة سليمان كانت في حدود الجسد، وإنابته كانت إلى ما وراء الجسد. وهنا يكمن المعنى: كل سلطانٍ بلا اتصال بالمصدر الأعلى يظل معرضًا للخلل، وكل جسدٍ مهما اكتمل يظل محتاجًا إلى من أوجده وأمدّه بالقوة.
تعليقات
إرسال تعليق