القائمة الرئيسية

الصفحات

حمل الأمانة: الاختيار داخل نظام لا يختل

 


📚 حمل الأمانة: الاختيار داخل نظام لا يختل

«العالَم كساعة واحدة… كل ترس له موضعه، والاختيار هو السر»

قال تعالى:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومࣰا جَهُولࣰا﴾

لفهم معنى حمل الأمانة، لا بد أولًا من فهم طبيعة العالم الذي جرى فيه هذا العرض، وطبيعة الإنسان الذي قبِل الحمل.


أولًا: العالم كنظام واحد

تخيّل الكون كله كساعة ضخمة دقيقة الصنع.
هذه الساعة تتكوّن من تروس وأجزاء صغيرة وكبيرة:

  • الأرض مخلوق

  • الإنسان مخلوق

  • العضو داخل الإنسان مخلوق

  • الميكروب مخلوق

لا جزء بلا قيمة، ولا حركة بلا موضع.
كل شيء يتحرك داخل نظام واحد وضعه الله، نظام لا يعرف العشوائية ولا الفوضى.


ثانيًا: معنى «الفلك»

الفلك ليس جرمًا سماويًا فقط، بل هو المسار أو القانون الذي يتحرك فيه كل شيء:

  • الشمس لها فلك

  • الإنسان له فلك

  • الجدار له فلك

  • الفعل نفسه له فلك

لا أحد يستطيع كسر هذا الفلك أو الخروج عنه،
لكن الكائن – وخاصة الإنسان – يستطيع أن يختار كيف يتحرك داخله.


ثالثًا: أين يقع الاختيار؟

الاختيار هو الفارق الجوهري بين الإنسان وسائر المخلوقات.

الإنسان:

  • يختار بين فجور وتقوى

  • بين فعل وترك

  • بين صبر واعتراض

لكنه لا يصنع النتائج.
النتائج تُخلق داخل النظام الكوني بتدبير الله.
الإنسان يختار المسار، والله يُجري الأثر.


رابعًا: مثال الجدار الذي كاد أن ينقض

الجدار كان مآله السقوط — وهذا داخل فلكه.
وسقوطه كان سيُنتج سلسلة أحداث — وهذا أيضًا داخل فلكه.

لكن العبد الصالح اختار أن يدعمه.
اختياره لم يكسر القانون،
بل اختار قانونًا آخر ممكنًا داخل نفس الفلك.

الله خلق الاحتمالين،
والعبد اختار واحدًا منهما.


خامسًا: لماذا تعجّب موسى عليه السلام؟

موسى نظر بعلم الظاهر:

  • قتل غلام = شر

  • خرق سفينة = فساد

  • دعم جدار بلا مقابل = ظلم للنفس

وهذا منطق الإنسان الطبيعي.

أما العبد الصالح،
فتحرك بعلم باطن أودعه الله فيه،
وهو أمانة ليست عامة لكل البشر.

فبدت أفعاله خطأ في ميزان البشر،
وهي صواب في ميزان الله.


سادسًا: ما معنى «وحملها الإنسان»؟

الحَمل ليس مجرد فعل مادي، بل احتواء وانتقال وهيمنة.

حين يحمل الإنسان شيئًا:

  • إما أن يحتويه حملًا ماديًا

  • أو يحتويه إدراكًا بالعلم والفهم

وفي الحالتين، يضم المحمول إلى ذاته،
وينقله من نطاقه الأول إلى نطاق جديد.

وبهذا الحمل:

  • يدخل المحمول في دائرة تصرف الحامل

  • يسعى الإنسان للتوافق معه وإعادة توظيفه

  • ينتقل الحمل من مجرد إدراك إلى توجيه

  • ومن احتواء إلى هيمنة

حتى يبلغ الإنسان بالمحمول أقصى وجهة يقدر عليها.

فحمل الأمانة هو انتقال من حيّز العرض إلى حيّز الفعل،
ومن دائرة الإمكان إلى مجال التطبيق،
ولهذا كانت ثقيلة.


سابعًا: لماذا وُصف الإنسان بأنه «ظلوم جهول»؟

هذا الوصف ليس شتيمة، بل تشخيص دقيق.

جهول:

ليس لغياب العقل،
بل لأنه يجمع أجزاءً من الكل، فيتوهم أنه أحاط به كاملًا.
يظن أن الفهم الجزئي يمنحه الهيمنة على الحقيقة،
فينزل تصوره الناقص على الواقع وكأنه العلم التام.

ظلوم:

لأنه يحكم بالظاهر،
ويحوّل الظاهر إلى قاعدة ثابتة للتطبيق،
فينزل حكمًا عامًا على وقائع خاصة،
ويكرر ذلك دون إدراك للباطن أو اختلاف السياقات.

فالجهل يولّد ظلمًا،
والظلم يرسّخ الجهل.


ثامنًا: ما معنى «إنا عرضنا الأمانة»؟

العرض هنا ليس كشف الحقيقة المطلقة،
بل نقلها من ساحة إطلاقها الأصلية
إلى صورة موفّقة منضبطة تناسب قابلية الخلق.

الأمانة ليست الأصل الكلي،
بل صورة ضامرة منه:

  • صالحة للحمل

  • مشروطة بالاختيار

  • ملزمة بالفعل

  • تُظهر اختلاف الحامل وتميّزه


تاسعًا: الأمانة بدلالة حروفها

الأمانة ليست لفظًا عابرًا، بل تركيب معنى:

  • أل: تعريف عهد، حقيقة معلومة سابقًا في علم الله

  • الألف الأولى: توفيق أولي من الأصل إلى صورة قابلة

  • الميم: جمع وضمّ معانٍ متعددة في إطار واحد

  • الألف الثانية: إعادة توفيق لتألفها النفس البشرية

  • النون: تمييز وتفريد، يظهر به اختلاف الحامل

  • التاء المربوطة: تفعيل وإحكام، التزام عملي لا معرفة مجردة


الخلاصة المحكمة

  • الكون كله نظام واحد

  • كل شيء يتحرك بقانون

  • لا أحد يخرج عن هذا القانون

  • الإنسان لا يصنع القدر

  • الإنسان يختار فقط

  • والله يخلق النتائج

الأمانة هي قابلية حمل الوعي المكلَّف بالفعل:
وعي يتضمن الاختيار،
والقدرة على الفعل،
وتحمّل نتائج هذا الفعل،
دون الإحاطة بالحقيقة الكلية كاملة.

فاطمئن…
اختيارك مهم،
لكن الحكمة الكاملة دائمًا عند الله.

تعليقات