
مدخل رمزي
الأخطبوط كائن شديد الذكاء، لا يهاجم دائمًا مباشرة. يمتلك أذرعًا متعددة، يتحرك بها في اتجاهات مختلفة، ويستطيع تغيير لونه وفق البيئة المحيطة.
قوته ليست في المواجهة الصريحة، بل في القدرة على التحكم غير المرئي.
هذه الصورة تختزل نمطًا بشريًا لا يسعى للهيمنة بالصوت المرتفع، بل بالشبكات الخفية.
من السيطرة المباشرة إلى السيطرة الشبكية
إذا كان “العقرب” يلدغ، و“الذئب المنفرد” يحتكر، فإن “الأخطبوط” يُدير المشهد من وراء الستار.
هذا النمط يرتبط علميًا بسمات من
Dark Triad
خصوصًا البعد المتعلق بالميكيافيلية (Machiavellianism)، حيث يتسم الفرد بـ:
حسابات باردة طويلة المدى.
استغلال العلاقات كأدوات.
براعة في قراءة نقاط ضعف الآخرين.
قدرة على خلق تحالفات مؤقتة ثم فكّها عند الحاجة.
آلية الأذرع المتعددة
الشخصية “الأخطبوطية” تمارس نفوذها عبر:
توزيع رسائل مختلفة لأشخاص مختلفين.
تحريك أطراف الصراع دون الظهور في الواجهة.
خلق اعتماد متبادل يجعله مركز الشبكة.
إدارة التوترات بحيث تبقى السيطرة في يده.
هو لا يسعى دائمًا لإسقاط خصومه مباشرة، بل لإضعافهم تدريجيًا عبر استنزاف غير مرئي.
الذكاء أم التلاعب؟
الفارق الدقيق هنا مهم.
الذكاء الاجتماعي الصحي يقوم على فهم الآخرين لبناء تعاون.
أما التلاعب فيقوم على فهمهم لاستغلالهم.
الأول يبني ثقة.
الثاني يبني تبعية مؤقتة.
البيئة التنظيمية كساحة نفوذ خفي
في المؤسسات، يظهر هذا النمط عبر:
صناعة مراكز قوى غير رسمية.
التحكم في تدفق المعلومات.
تضخيم الخلافات الصغيرة لتشتيت الانتباه.
الظهور بمظهر الوسيط بينما يكون صانع الأزمة.
قد يبدو بارعًا سياسيًا، لكن تكلفة هذا الأسلوب عالية على المدى الطويل:
تآكل الشفافية، وانخفاض الأمان النفسي داخل الفريق.
لماذا يسقط الأخطبوط؟
الدراسات في السلوك التنظيمي تشير إلى أن النفوذ غير الشفاف يفقد فعاليته عندما:
تنكشف الأنماط المتكررة.
تتراكم التجارب السلبية لدى المحيطين.
يتشكل وعي جمعي بطبيعة التلاعب.
الشبكات التي تُبنى على الغموض لا تصمد أمام الضوء.
البعد النفسي العميق
غالبًا ما يكون الدافع هنا هو الحاجة للسيطرة دون تحمل مسؤولية المواجهة المباشرة.
المواجهة تحمل مخاطرة.
أما التلاعب فيعطي إحساسًا بالقوة مع تقليل المخاطر الظاهرة.
لكن مع الوقت، يعيش هذا النمط في حالة يقظة دائمة، يخشى انكشاف الخيوط التي نسجها بنفسه.
الخلاصة
الأخطبوط يبرع في التحرك بين الصخور وتغيير لونه، لكنه يظل كائنًا هشًا خارج بيئته المائية.
وكذلك النفوذ القائم على الأذرع الخفية: يبدو قويًا داخل شبكة الغموض، لكنه يفقد قدرته عندما تُعاد الأمور إلى العلن.
في المقال القادم:
الطاووس — عرض القوة لإخفاء الهشاشة.
تعليقات
إرسال تعليق