تاريخ ثورات التصحيح في مصر والوجهة القادمة نحو المعسكر الشرقي


ونحن على أعتاب تغيير توجه مصر من المعسكر الغربي للمعسكر الشرقي، يجب فهم آلية ثورات التصحيح في مصر لنقل التوجه نحو المعسكرات الغربية والشرقية.

فإفريقيا يتم إعادة توجهاتها بالكامل والأحداث متسارعة وسط هياج غربي لحجم التغيرات المتنامية في إفريقيا، حيث يتم نزع دولة بعد دولة من قبضة الغرب.

فتاريخ مصر على وجه الخصوص مليء بثورات التصحيح للنظام وفيما يلي أهمهم وما سوف يأتي منها:

ثورة التصحيح الأولى:

فبعد التحرك العسكري ضد الحكم الملكي والذي قاده ضباط جيش مصريون ينتمون لتنظيم الضباط الأحرار في 23 يوليو 1952، أدى لإلغاء الملكية ونفي الملك فاروق الأول لإيطاليا وتحول نظام الحكم في مصر إلى جمهورية رئاسية، وعرف في البداية باسم «الحركة المباركة» ثم أطلق عليها ثورة 23 يوليو عقب حل الأحزاب السياسية وإسقاط دستور 1923 في يناير 1953.

كان قائد الحركة التي سميت فيما بعد بالثورة هو اللواء محمد نجيب والواقع أنه اُختير من خلال الضباط الأحرار كواجهة للثورة لما يتمتع به من سمعة حسنة داخل الجيش وكان اللواء الوحيد في التنظيم وكان سبب انضمام الكثير من ضباط الجيش للضباط الأحرار.

حيث كانت تبعية البلاد إلى الغرب الإنجليزي، وكان من أسباب تحريك المياه الراكدة في إعادة تشكيل المنطقة من جديد لضمان نقل التبعية إلى الدولة الصاعدة الولايات المتحدة الأمريكية.

حيث قامت في حقيقتها على أكتاف جزء من النظام ذو التأثير الضعيف في الحياة السياسية ليتشكل منه نظام سياسي جديد يقود المرحلة الرئاسية، ولم تتاح للعامة أن يصلوا إلى قمة السلطة، فبطبيعة الحال هي حركة من داخل النظام لتصحيح التوجهات التي أصبح النظام الملكي عاجزاً عن اجتيازها، وخاصة إمكانية تنفيذ اتفاقية سايكس بيكو في ظل وجود الملكية، وما يتطلبه ذلك من تغيير بالنظام.

ثورة التصحيح الثانية:

عندما بدأ صراعا على السلطة نشأ بين محمد نجيب وبين جمال عبد الناصر بعد أن رأى اللواء محمد نجيب ضرورة تسليم السلطة لسلطة مدنية منتخبة، استطاع جمال أن يحسمه إلى صفه في النهاية وحدد إقامة محمد نجيب في قصر زينب الوكيل حرم مصطفى النحاس باشا بضاحية المرج شرق القاهرة لحين وفاته. وتولى جمال عبد الناصر بعد ذلك حكم مصر من 1954 حتى وفاته عام 1970 واستمد شرعية حكمه من ثورة يوليو.

حيث تعتبر ثاني ثورة تصحيح للنظام بأن استمد شرعيته من ثورة التصحيح الأولى وهنا كان لابد أن يصاحب تغيير وجهة النظام اقتصاديًا نحو الشرق لتكون المفاجئة بالتوجه نحو روسيا والنظام الاقتصادي الاشتراكي.

ثورة التصحيح الثالثة:

عندما أصبح النظام في ورطة حيث تعددت السلطة في مصر واستحال بقاء الوضع على ما هو عليه، فجاءت هزيمة 67 سبباً رئيسياً لثورة تصحيح، جاءت مصارحة الشعب فيها وتحمل المسئولية، حيث جاء تنحى عبد الناصر في مساء 9 يونيو 1967، عن رئاسة مصر متحملًا مسئولية الهزيمة في حرب 5 يونيو 1967، إلا أنه تراجع عنها في اليوم التالي بعد خروج ملايين الناس للتظاهر رفضًا لتنحيه، وكان خطاب التنحي يحمل المسئولية لكلا المعسكرين الغربي والشرقي بطلبهم ضبط النفس وعدم البدء في الحرب كما جاء بالخطاب، وراعى عبد الناصر أن يكون الخطاب مفصلاً وطويلاً، وفي ظاهره التنحي وفي طياته مطالبة بثورة تصحيح.

وعليه بدأ تغيير في هيكل النظام ولم يصاحبه تغير للتوجه لمعسكر آخر، مما صعب المهمة حتى جاء من بعده السادات محاصراً في هذه التركة ليجد نفسه هو الآخر في مرحلة ما قبل ثورة تصحيح للنظام ولكن متى وكيف وهو أضعف جزء في النظام، وكان مجرد واجهة تتحمل التبعات لاستقرار وضع اللاسلم واللاحرب مع إسرائيل.

ثورة التصحيح الرابعة:

وتعرف أيضًا بأحداث مايو 1971، وهو المصطلح الذي أطلق على عملية تنقيح الرئيس أنور السادات السلطة في مصر بعد إزاحته الناصريين اليساريين.

حيث أنه عقب وفاة جمال عبد الناصر تولى أنور السادات مهام الرئاسة وأعقب ذلك في 15 مايو 1971م قيامه بحركة للقضاء على نفوذ ما عرف بـ (مراكز القوى) السابقة التي تمتعت بقدر كبير من السلطات في عهد عبد الناصر. من أبرز الشخصيات التي وقع إبعادها:

نائب رئيس الجمهورية علي صبري.

وزير الحربية الفريق أول محمد فوزي.

رئيس المخابرات العامة أحمد كامل.

وزير الداخلية شعراوي جمعة.

وزير الإعلام محمد فائق.

رئيس مجلس الأمة محمد لبيب شقير.

وزير شؤون رئاسة الجمهورية سامي شرف.

كان ذلك نتيجة لمحاولة هؤلاء بالقيام لانقلاب على نظام الحكم حيث استطاع كشف مخططهم بمحاصرتهم وإلقاء القبض عليهم داخل مبنى الإذاعة والتلفزيون وقد استعان في ذلك بعدة أشخاص أهمهم الليثي ناصف قائد الحرس الجمهوري وقتها.

وأعقب ذلك بعض إرهاصات التغيير غير المعلن نحو المعسكر الغربي انتهى بكامل التوجه مع تغيير النظام الاقتصادي وتم تتويجه بالانفتاح الاقتصادي، إلا أن السادات بدا وكأنه يريد عمل ثورة تصحيح بنفسه وذلك ليس لبقاء النظام ولكن بما يهدد بقاءه، لذلك وجب أن يقود ثورة التصحيح الجديدة شخص من داخل النظام.

 ثورة التصحيح الخامسة:

قد أصبح السادات عبئاً بعد أن استعمل الجماعات الإسلامية في مواجهة الناصريين وكذلك علاقته المتأزمة مع بعض دول الجوار، وكذلك طموح السادات نحو تغيير شامل بالنظام، أدى بطبيعة الحال لرغبة الجميع في التغيير، فقد كان السادات ينوي التنازل بإرادته عن الرئاسة، وفقًا لوثائق بريطانية.

حيث تم اغتيال الرئيس محمد أنور السادات بحادث المنصة أو عملية الجهاد الكبرى كانت خلال عرض عسكري أقيم بمدينة نصر بالقاهرة في 6 أكتوبر 1981 احتفالاً بالانتصار الذي تحقق خلال حرب أكتوبر 1973. نفذ عملية الاغتيال الملازم أول خالد الإسلامبولي الذي حكم عليه بالإعدام رمياً بالرصاص لاحقاً في أبريل 1982. وعقب الاغتيال تولى صوفي أبو طالب رئاسة الجمهورية مؤقتا لمدة ثمانية أيام وذلك من 6 إلى 14 أكتوبر 1981 حتى تم انتخاب محمد حسني مبارك رئيساً للجمهورية.

حافظ بعد ذلك حسني مبارك على استقرار حكوماته أطول فترة ممكنة وجاء بالسلفيين في مواجهة المد الإخواني وكانت علاقته جيدة بدول الجوار، إلا أنه في الفترة الأخيرة من حكمه شكل عائقاً أمام الدول الغربية نحو مزيد من التنازلات بالإضافة أن مشروع التوريث ظل هاجساً يشكل عقبة أمام بقاءه لحين تسليم الحكم، إلى جانب أنه لم يقدم أحد من داخل النظام ليكون نائباً له، مما جعل الأمور ضبابية وكان لابد من السعي نحو ضمان آلية التغيير.

ثورة التصحيح السادسة:

جاءت دعوات 25 يناير وما بعدها تشكل حركة شعبية في ظاهرها لها جذور وأسباب، ولكن الغريب أن النظام الممثل في الجيش لم يكن منزعجاً من هذه الحركة مثل باقي النظام السياسي الذي زج جزء منه في السجون لفترة، وكان في البداية يحاول حسني مبارك إقناع الجيش أن التغيير من داخل النظام، فأتى بعمر سليمان نائباً وشفيق رئيساً للوزراء، إلا أن هذه الاختيارات لم تكن على هوى البعض بالخارج والبعض بالداخل فهي تشكل خطراً وبقاء لنفس المشكلة بعدم وجود تنازلات إضافية للمعسكر الغربي والذي جعل دويلة قطر هي الرقيبة على النظام لاستثارة دول الجوار الأخرى.

لذلك تم الدعم وخاصة الخارجي من القوى الغربية للإخوان ليكونوا سبباً في أكثر التنازلات فيما بعد، فكانت ثورة تصحيح من خلال كومبارس، ليس له وجود في السلطة الحقيقية ولكن له سلطة مارسها على الشارع فأفسد علاقته بالشارع حتى جاءت ثورة التصحيح قبل الأخيرة.

ثورة التصحيح السابعة:

حيث تم استدعاء الشعب بعد خلع مرسي من خلال الجيش، حيث جرت مظاهرات 30 يونيو 2013 في مصر في محافظات عدة، نظمتها أحزاب وحركات معارضة للرئيس محمد مرسي. توقيت المظاهرات كان محددًا مسبقًا منذ أسابيع. طالب المتظاهرون برحيل الرئيس محمد مرسي، الذي أمضى عامًا واحدًا في الحكم. في يوم 3 يوليو، وأعلن وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي وقتها إنهاء حكم محمد مرسي، وتسليم السلطة لرئيس المحكمة الدستورية العليا، المستشار عدلي منصور الذي رقَّى السيسي إلى رتبة المشير بعد ثمانية أشهر.

وصولاً لرئاسة عبد الفتاح السيسي والذي بدأ حكمه في عام 2014 حتى وقت كتابة المقالة

ثورة التصحيح الثامنة:

كما استعرضنا أن ثورات التصحيح تحدث إما عن طريق رأس النظام مثل السادات أو جناح من النظام الثورة على الملكية وثورة 25 يناير، إلا أننا أمام وجوب تغيير المعسكر والتوجه نحو المعسكر الشرقي واختيار نموذج اقتصادي يتناسب مع هذا المعسكر وآلياته، حيث بات واضحاً أن إفريقيا يتم انتزاعها من المعسكر الغربي ويتوقف اكتمال النزع على دولتي مصر والجزائر، ومصر بالذات سيكون لها الدور الأساسي في هذا التشكل للقوة الإقليمية الإفريقية، وأصبح هناك خياراً ملحاً لتحديد الوجهة، فما تم زرعه من مشاكل اقتصادية أحاطت بمصر، هو ذاته الذي يجعل تغيير الوجهة شيء لابد منه.

الغريب أن معظم الخطط الغربية بالمنطقة باتت سبباً مباشراً لنجاح روسيا والصين في تواجد تأثيرها على إفريقيا، وكأن الغرب يزرع الأسباب اللازمة لذلك.

ويأتي السؤال من سيقوم بثورة التصحيح للتوجه للمعسكر الغربي، هل رأس النظام أم جناح من داخله، ومن أهم المعوقات دور الإخوان في مواجهة تغيير الوجهة وأيضاً داعش.

وفي كل الحالات ستأخذ الأمور منحنى متسارع أسرع مما نظن، ولكن أياً ما كان التوقيت، فسوف يسبقه مصارحة للشعب عن بعض الأمور التي تبرر هذا التوجه، ففور أن ترى أو تسمع عن مصارحة ما، فاعلم أن عجلة الأمور تتسارع والوجهة تتبدل.

غربة دين الفرد داخل دين المجتمع

 


إشكالية الفرد مع الدين تكمن في اختلاف السلوك المرجو من خلاله، وهذا مرهون بقناعات المجتمع ككل، فهناك فرق كبير بين دين الفرد ودين المجتمع.

فالمجتمع يعمل دائماً على إزاحة دين الفرد نحو ما أراد من خلال النسبة الغالبة من المجتمع الذين برون الدين من وجهة نظرهم المتشددة أو المتطرفة أو المتصوفة أو المفرطة... إلخ.

والنسبة الغالبة التي تسيطر على الدين لابد أن تصاحبها قوة حكم ومُلك أو قوة تقديس.

فكان الحاكم أو القديس (الشيخ – القسيس – الراهب – الحاخام... الخ) أو كلاهما يشكلان الدين من وجهة نظرهما بما يمكنهما من التسييس للناس في حالة المُلك أو التمكين من نيل القداسة في حالة القديس.

وكان الدين من خلال هذا الصراع للتسييس ونيل القداسة عبارة عن محاكاة الهوى في بعض النقاط والتشدد في البعض الآخر بما يضمن امتلاك زمام الأمور.

وبالطبع إذا كان هناك من يتبع الحق كأفراد فسوف تذروهم الرياح فلا يملكون القوة أو القداسة اللازمة لاستقرار دينهم الذي صنعوه كنسخة من مفهومهم الذي يريدوه واقتعوا به.

فاستقر عبر الزمن نسخ متعددة كترجمة لمراحل مُلك وقداسة وعندما اصطدم هذا كله في العصر الحديث بعد أن أصبح كل حدب وصوب موجود بين أيدي العامة، فارتكن أصحاب المُلك والقداسة إلى وصف هذا الاختلاف الفج بأنه حكمة التيسير بالأخذ ما بين الآراء التي هي في الأصل نابعة في الكثير منها عن هوى أصحاب المُلك والقداسة.

ومن هنا كان طريق الأفراد الملحدين للإلحاد أسهل في مواجهة هذا الحصار من المجتمع، ومن هنا جاءت حدود الردة، فالفرد لم يعد مع هذا المُلك والقداسة على مر الزمن مسئولاً عن عقله ودينه.

بل بحثت المجتمعات عن وثن يجمع بين المُلك والقداسة مثل المُخلص والمهدي وشيفا وماثيريا وبراهما وغيرهم من الشخصيات التي أعطوهم سلطة عليا في مخيلة الناس، فناطحت الإله في تصورها.

وأصبح الفقه الذي تجمع روافده يختلف اختلافاً واضحاً مع أصل الكتاب الإلهي، وأصبح هناك أصناماً تتخذ لله زلفى بديلاً عن الكتاب أهمهم أصحاب المُلك والقداسة.

بل الأدهى أن أصحاب المُلك والقداسة فوضوا أنفسهم في الدنيا أن يتكلموا بدلاً من الإله.

ففي الأصل كل حجيج نفسه، ولكن يظن الكثير أن أصحاب القداسة والمُلك سوف ينفعوهم يوم أن يتم حسابه وأنه سوف يتعلق برقابهم يوم يتبرؤون منهم جميعاً.

هل الله يخشى؟!

 

قال تعالى:

الخشية ليست هي الخوف ولا تمت له بأي صلة وإنما من يخشى والأفضل أن تكون منطوقة (يخشي) في حالة اتباع الصراط المستقيم وفي هذه الحالة الأخيرة يكون المعنى كالتالي:

يخرج من داخل المتشابهات أو الأقسام أو الأجناس، أي يخرج من المختلفات أو ما مجل خلاف، فيضبط أموره وأحواله ضبطاً تاماً بما هو مبين وواضح كالصراط المستقيم.

إذن الخشية هي الخروج عن نطاق المتشابهات والفتن واتباع الصراط المستقيم هذا بالنسبة للإنسان عندما يخشي الله أو على الأقل يخشى الله فيجتنب الفتنة فقط والمتشابهات.

ولكن هل الله يخشى

بالطبع الله يخشى ولكن بالمعنى المطلق للألوهية؟!

فالمعنى المطلق: الله يخرج وينَزِّل من عالم الأمر متشابهان وأجناس مختلفة من نفس المخلوقات فيضبط أحوالها في إطار عالم الدنيا فتكون لازمة لبقاء الحياة حالة التنوع تلك، فخلق من الإنسان والزرع والجبال ما هو مختلف ألوانه وأجناسه وأجزاءه.

لذلك لم يعوا خشية الله من عباده العلماء فذهبوا يقبلوا الأمور يمينًا ويسارًا فاهلكهم نحو سيبويه.

فالله يخشى بأن أخرج من عباده متشابهات وأقسام وأجزاء من العلم والعلماء فكان هناك الكيمياء، والفيزياء والرياضيات والأحياء.. الخ، كما كان من الجبال ألوان رغم أن الأصل واحد فالعلم علم الله، ولكنه أخرج لنا من العلوم ما يمكننا بتجزئة الإدراك بما يتناسب وينفع البشر، والآن يمكن أن تقرأ من جديد قوله تعالى:

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} (سورة فاطر 27 - 28)

والآية توضح توضيحًا تاماً بمشروعية تعدد العلوم الدنيوية بضوابط عدم الخروج عن السنن الإلهية وإن يعملوا بها مساجد الله ولا يخربوها، فمساجده الأرض والزرع والبذور والخلفية والذرة... الخ.

وفي موضع آخر قي قوله تعالى:

{وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا} (سورة الكهف 80)

والفاء عندما تأتي تشير مفارقة حالة اعتيادية أو ما تم الاعتياد لحالة أخرى غير معتادة.

وهو خروج وظهور العديد من المتشابهات من فتن تسبب إرهاق والديه وجلاءها ووضوحها بالفعل، وأصبحت بائنة واضحة، فكانت تنقية هذه المتشابهات والفتن وضبطها من جديد وإبعاد الوالدين عن هذه الفتن التي تسبب فيها ابنهم.

وهكذا الخشية ليست الخوف أو الرهبة، ولكن بالنسبة للإنسان الخروج من نطاق الفتن والمتشابهات وتخريب الصراط المستقيم.

أما بالنسبة الله تعالى فهي خاصية هامة وقانون لتنوع الخلق والأجناس والعلوم والمتشابهات وحتى الفتن والمتشابهات هي قوانين إلهية لتمحيص الناس

فالمطلق يختلف عن المحدود

أيهما مسجد وأيهما مسجد جامع؟!



قال تعالى:

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ} (سورة النور 62)

فكثيراً ما يشار للمسجد أنه جامع فلماذا؟

سجد

المسجد من سجد، وهي كلمة لها معنى مطلق ومعاني محدودة

أما المطلق

السين: سنن الله التي فطر الأشياء عليها.

الجيم: الجامع لمكونات هذه السنن في اكتمال جلال ظهورها.

فسجود الشمس مكونات طلوعها وصولاً لغروبها بالنسبة للأرض التي هي الأخرى لها دورة وسنة ساجدة لها وهي في مكوناتها سنة الشروق والغروب اجتمعت سنن مكوناتها السجود لأمر الله فيهم.

وكذلك الزرع ساجد لله في نموه، ولكن مكوناته من ارض وبذرة وماء وشمس وهواء وأملاح إلخ ساجدين هم الآخرين ففي جلال تكوينهم وسجودهم مجتمعين يتجلى بالجسم في ظهور الزرع ونموه.

الدال: فهو القصد والنية من السنن باجتماعها ودليل وبرهان هذه السنن الإلهية واجتماعها.

إذن السنة الإلهية ناتج سنن مجتمعة تجليها في عالمنا لها قصد إلهي وحكمة ولها دلائل وبراهين، فتصير سجد.

مسجد

أما الميم عندما توضع قبل السين في عالمنا الدنيوي تصير الإشارة هنا إلى مسجد.

 فالميم هي جمع هؤلاء الساجدين في قالب مادي يجمعهم ويضمهم ويتداخلوا فيه فيصير سجود مكونات الزرع في مسجد هو الأرض.

فالمحيط المادي الذي يجمع سنن جلت بقصد ودليل وبرهان يصير مسجد، فصار في المعنى المحدود موضع تنفيذ سنة الله في الصلاة وتجمع المسلمين فيه السجود لهذه السنة الإلهية التي سنها عليهم، فيطلق عليه مسجد ولكن في الحقيقة كل ما في الكون وكل الكون مسجد.

قال تعالى:

{يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (سورة الأَعراف 31 - 32)

فكل ما على الأرض زينة في مساجد والابتلاء بأن لا تخرجها عن سنتها التي سنها الله لها ولا يتم تخريبها، قال تعالى:

{إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (سورة الكهف 7)

الجامع

أما الجامع من لفظ جمع، وإذا تناولناه من وجهة السجود فهو يعبر عن جزء من مراحل السجود وهو حرف الجيم في السجود بشرط أن تكون صفته جامع.

فجمع مكونات الزرع واصطفاف عناصره من بذرة وأرض وماء وأملاح... الخ بكامل العناصر مكتملة وتامة ومتآلفة ومضبوطة في قالب مسجد واحد من خلال حرف الألف فهي مجتمعة ومجموعة وموصولة بعضها البعض ومتداخلة مع بعضها البعض من خلال حرف الميم فيأتي هنا دور حرف العين وهو الوصول للعمق المطلوب من السجود فيكشف سجود هذا الجمع من العناصر عن الزرع وهو القصد من السجود.

فحتى بالمعنى المحدود في مسجد يصلي فيه الناس تكون الجيم جامع وليس مجرد أداء حركي وسجود ظاهري عندما يجتمعوا بظاهر جسدهم وباطن نفوسهم وبينهم تآلف وتراحم وضبط أمورهم وأحوالهم فيتداخلوا في أمور بعضهم البعض لمعاونة بعضهم البعض ليكتشفوا عن بعضهم البعض معاناتهم ويفرجوا الكرب والحزن والفقر... الخ، فيصير نتاج سجودهم في المسجد جامع بينهم وكاشف عنهم ما قد يصيبهم هنا يصير المسجد جامع بالنسبة لهم.


هل الله يقسم ويحلف بشيء من مخلوقاته؟!

 


قال تعالى:

{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} (سورة الواقعة 75 - 77)

{ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } (سورة الحاقة 38 - 40)

{فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} (سورة المعارج 40 - 41)

{لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ} (سورة القيامة 1 - 3)

{فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} (سورة التكوير 15 - 19)

{فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} (سورة الِانْشقاق 16 - 19)

{لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} (سورة البلد 1 - 4)

أقسم من قسم ومنها تقسيم ودائماً إذا كان الله من يتكلم فلابد أن نضع الكلمة الإلهية في معناها المطلق وليس المحدود الذي نتداوله فيما بيننا.

قسم

القاف: هي خروج أو تنزيل أمر الله تعالى ليندمج مع شيء ما في ملكوته ليغير حالة هذا الشيء فنقول قسم الله له ذلك ونقول هذا من قسمته، فهناك تغيير حال من خلال هذه القسمة.

قال تعالى:

{أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} (سورة الزخرف 32)

السين: تعني أن أمر التنزيل سُنة إلهية بمقياس معين هام لحركة الحياة.

الميم: تعني جمع شيء مادي أو محسوس بمن تنزل عليه الأمر لتنفيذ الأمر والاندماج للأمر به والتغيير لحالته بناء على هذا الأمر الإلهي.

إذن لو قلنا قسم الله أي أنزل أمره ليندمج مع مخلوق في عالم الخلق أو عالم المادة فيتغير حاله من حال إلى حال آخر في عالم الدنيا.

أقسم

والآن إذا أضاف الله تعالى حرف الألف لما قسمه فصارت أقسم.

هنا تم تغيير الحروف وتشكيل السين وشتان ما بين السين هنا والسين الأولى

فالألف: مضمومة أي أن هناك ضرورة لضبط الأمر وتآلفه مع عالم الدنيا فيكون هناك تغيير حال ظاهر وتغيير حال باطن فالألف هنا آلية ضرورية في تنزيل أمر قسم.

ولكن السين مكسورة أي أن الأمر الإلهي يخرج منه سنة التغيير لعالمنا المادي من حال لحال آخر هذا التغيير جذرياً

فتغيير السنة الإلهية للشمس ما بين شروق وغروب هي قسمة نعتبرها آلية حركية تعطي تغير منتظم إلا من خلال السين المكسورة يكون التغيير جذري وليس له علاقة بانتظام السنن العادية المتعارف عليها.

إذن حين يقول الله تعالى فلا أقسم بكسر السين ما يعني أن هذا الذي سيأتي من سنن إلهية بعد هذا اللفظ لن يفارق سنته المفطور عليها.

ولكن جاء النفي في موضع مثل بالخُنس ومواقع النجوم بكسر الباء.

وهذا يعني أن السنة التي لن تفارق حالتها ولن تتغير ما بدى لنا منها وظهر واستخرجناه لحياتنا واستفدنا من أوجه الاستفادة منها للحياة واستقرار الحياة الدنيوية فلا تغادر حالتها التي استقرت عليها.

الخلاصة

فلا أُقسِم أو لا أُقسِم هو تأكيد على عدم خروج السُنة الإلهية عن قوانينها التي استن عليها بها وما يليها من قول مثل (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) هو أيضاً يخضع لنفس الشرط أنه لا تغيير عن سُنة صفة القرآن وهكذا في كل موضع من الآيات التي أسلفنا ذكرها (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)، (إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ)، (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ)، (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)، (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ)، (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ).


سيكولوجية الفساد والإفساد

 


سيكولوجية الفساد والإفساد

👹👹👹👹👹👺👺👺👺

ما يجب أن تتعجب منه عندما تتابع الشخص الفاسد الذي يجد فيما يسرق حقاً أصيلاً نظراً لمجهوده المتفاني في الفساد والإفساد، بل وواجب على الفسدة من حوله أن يسرقوا من أجله، بل يُوكل الأمر لما يُعرَف بشخص هو في حقيقته الشيطان 👹 الذي يبرر هذا الفساد ويثمن على هذا الفاسد الكبير وعلى أحقيته في أكل أموال الناس.

وهناك على الجانب الآخر من يبارك هذا الفساد لعله يوماً يقفز ليصبح ضمن هذه الرفقة الفاسدة ويبررون لهم أفعالهم ويأخذون على عاتقهم هذا الواجب الأصيل نحو أبو الفساد فيداهنونه بكل ملكاته.

الغريب أنهم يمارسون هذا السلوك بطبيعية مطلقة فهم لا يشعرون بأي تأنيب ضمير، بل على العكس يأنبهم ضميرهم على كمية التضحية التي جعلتهم يتركوا البعض القليل لأصحاب الحقوق.

فكم من تضحية يضحيها الفاسد 😢 من أجل من حوله من الفاسدين حتى يكونوا له درعاً ورمحاً.

فسيكولوجية الفاسد تبدو مطمئنة جداً إذا ما قارنتها مع من يتحرى الحق، فمن يتحرى الحق يبدو دائما قلقاً من أي هفوة يقع فيها بعكس الفاسد المطمئن بشركائه من الفاسدين.

فهل تعلموا أننا ما بين أصحاب السبت ومن تركوا أصحاب السبت يعيثون فساداً وقلما من نهوهم عن يوم سبتهم؟

فكل من فتح الدرج من أصحاب السبت

فمصيبتنا أن أدمغتنا تصهينت فلم تطبق آيات الله على أفعالنا وعلى أنفسنا فانتشر بين طيات كل ركن فساد فأصبح تقنين الفساد شيئاً ضرورياً بعد أن تم السكوت عنه وتوحش وجر الدول للفوضى.

فأصحاب النِعالي والمجاري والحساب الجاري كفاهم عبثاً في كل رزق كان للناس نهراً جاري ومن فسادكم باع الناس كل شيء غالي

فهناك حكمة لكل لص:

 لكل سرقة شركاء يعينوك عليها ثم بعد ذلك يطلبوا ثمن شراكتهم في كل سرقة فتصبح عبد لكل اللصوص من حولك.

هذا العالم يدار بالفوضى؟!

 


هذه حقيقة لا ندركها كوننا تعايشنا مع هذه الفوضى على مدار عقود طويلة.

أنواع الفوضى:

ولكن هناك نوعان من الفوضى أحدهما غير مرغوب فيها من الفئة الحاكمة والمسيطرة لأنها تأتي إعتراضاً على فوضى الحكومات المرتبة التي يسبق ترتيبها في خطوات متسلسلة والتي تجمِّل شكلها وتحاول الترويج لها.

ولكنها في حقيقة الأمر هي فوضى من السياسات والقوانين التي يزعموا أنها أتت من أجل الشعب وهي في حقيقة الأمر هي تؤدي إلى فوضى مرتبة كأنها فوضى بطيئة تفضي إلى نتائج تصب في مصلحة فئات معينة حاكمة لشعوب في نظرهم عبيد وفي أجسن الأحوال غوغاء.

فمثلاً فوضى التعليم تصب في مصلحة التعليم الخاص الربحي ويتفرع من هذه الفوضى عدة أشكال من الفوضى مثل فوضى الغش ومن ثم فوضى إفساد قطاع التعليم وفوضى في كل شيء يترتب عن العملية التعليمية من خراب وفساد.

وكذلك في مجال الصحة فوضى مرتبة لكي يصبح مبيعات الأدوية أكثر من مبيعات السلاح وما يترتب عليه من إفساد المجال الطبي والسيطرة عليه لإحداث فوضى مرضية وبقاء المريض بلا علاج فهو مصدر دائم لشركات الأدوية الكبرى.

وغيرها من الأمثلة الفوضوية. مثل الفوضى الاقتصادية والإئتمانية والصناعية والتسليحية... الخ، والتي معها تضطر الحكومات في مرحلة ما أن تلجأ إلى صناعة مزيد من الفوضى في قطاعات أو خدمات شعبية تبدو أساسية لدى الشعوب.

كيف تتحايل الحكومات على مشكلة اكتشاف الشعوب لواقعهم الفوضوي:

هنا تبدأ هذه الحكومات أو حكومات بديلة إثارة أزمة فوضوية كبرى لأساسيات حياتية هامة ثم بعد فترة تقوم بإصلاح الأمور وإعادتها لما سبق من الفوضى المرتبة من جديد فيفرح الشعب ويهلل أنه استعاد الفوضى المرتبة السابقة التي كان يريد أن يثور عليها وهكذا تثار الأزمات من اجل استقرار الفوضى الحكومية.

إذن الإمعان في الفوضى عادة إما لتغيير الواجهة أو ما يسمى اصطلاحًا ثورة التصحيح للنظام لإعادة دورة حياة الفئات المستفيدة من الفوضى المرتبة.

فالقضية في أساسها تحقيق العدالة وهذا بعيد المنال في ظل وجود فئات ذات مصلحة فتميل كفة العدالة لتجثو على ركبتيها من أجل هذه الفئات الحاكمة، فتظل الفوضى المرتبة التي تحكم ما دام العدل غائباً.

النظام العالمي أداة بيد صانع الفوضى:

ذات الفوضوية تتم على مستوى النظام العالمي فيكون هناك منظمات أمم متحدة أداة في يد صانع الفوضى المرتبة ليمتص دم شعوب بأكملها.

فتقع الشعوب ما بين فوضى مرتبة داخلياً وخارجياً.

الفوضى الخلاقة ودورها في بقاء فوضى الحكومات:

وليس هناك مانع لدفع تلك الشعوب للفوضى العارمة التي تصبح انتقاماً من بعضهم البعض والتي تنتهي في كل الحالات إلى مزيد من الظلم للضعفاء الذين سوف يلجئوا بطبيعة الحال للعودة إلى الفوضى المرتبة فيضع أصحابها شروطاً أكثر ظلماً فتتقبلها هذه الشعوب بفرحة عارمة.

التحايل على الفوضى الخلاقة بفوضى الديموقراطية:

وهذا النموذج من الفوضى الخلاقة المفروض على بعض الدول الدكتاتورية لتحسين شروط العبودية والقفز لشروط أكثر فوضوية، في بعض الدول تحايلوا على هذه الإشكالية المعقدة التي تضطرهم لتغيير ظاهر النظام وما يشكله من فترات عصيبة تمر على تلك الفئات فلجئوا فيما بينهم لأنظمة متبادلة للجلوس على كرسي الفوضى المرتبة لتخفيض التوتر في الشارع والذي كان من أنجحها النظام الأمريكي حيث يتبادل الديموقراطيين والجمهوريين الحكم والفئات المستفيدة كما هي لا يضرها شيء، بل هي جزء مستدام في صناعة الفوضى المرتبة، وقد احتذى بها كثير من الدول التي تسمى ديموقراطية.

إلا أنه خرج عن هذا التقسيم بعض الدول مثل الصين الشعبية التي قدمت نموذجاً جديداً للديكتاتورية الصامدة والقوية في مواجهة شعب مترامي الأطراف والعدد.

حيث تعتمد هذه الديكتاتورية على حزب أو شبه هيئة واحدة هي من تخطط وتراقب وتعاقب وتقتص وتتبع وترود الشعب... الخ.

إلا أنه من الملاحظ أن هذه القبضة لم تتخلخل بسهولة رغم محاولات الدول ذات الفوضى المرتبة الديموقراطية في هزيمتها من خلال نموذج فوضى الديموقراطية، فلم تتضرر قبضة حكومة الصين كونها مرتبطة بعقيدة الصين في الانتقام من الغرب المحتل وان التقدم الاقتصادي على الغرب ليس اختياراً أو رفاهية وما يقف أمام هذه الأيدلوجية خائن للصين وشعبها، بالإضافة أنه تم برمجة الشعب على ذات الأيدلوجية كونه شعب أكثر خصوصية من نواحي كثيرة.

دول تطمح لتطبيق نموذج دكتاتورية الصين:

وتطمح نظم حاكمة مثل دولتنا ودول أخرى أن تطبق النموذج الصيني وأن يكون ثورة التصحيح الخاصة بها بذات الكيفية بأن يكون هناك إدارة واحدة مثيلة للإدارة الصينية تتحكم في كل شيء، ومن المتوقع القفز إلى ثورة التصحيح تلك في 2024 في مصر، وقد سبق أن تمت بآليات النموذج الاشتراكية في عهد جمال عبد الناصر والرأسمالية والانفتاح في عصر السادات.

ورغم أن إرهاصاتها الأولى في طور التجريب منذ 2014 أثبتت فشلها لأنها أدت إلى مزيد من الفوضى المصطنعة لمواجهة مشاكل فساد الكثير الذي شكل عائقاً أمام أي أمل لنجاح التجربة.

ورغم أن طبيعة القائمين على نظم الحكم في كل من الصين ومصر مختلفان في الأيدولوجيات وأيضاً الشعوب إلا أنه هناك إصراراً  قوياً لإعادة صياغة التجربة الصينية إمتداداً لمراحل التجريب التي لم تنتهي منذ الاستقلال الظاهري للمنطقة العربية بكاملها.

وهكذا سوف تستمر الفوضى المرتبة حائلاً ما بين الدول في داخل هذا النظام العالمي المبني على التصنيف للشعوب والشعوب داخل الدولة الواحدة والذي وزع أدوار الصراع كي لا ينتهي.