القائمة الرئيسية

الصفحات

الفرق بين الكلام والقول في القرآن الكريم؟!

الكلام والقول في ضوء الصوم عن الفحش وربط القول بالصلاة

في هذا المقال، نتأمل بإذن الله في الفرق بين الكلام والقول، ونغوص في معاني كلام الله وقوله، ونبحث في جوهر الصوم عن الكلام الذي هو صيام عن الفحش واللغو، والتعبير عن الحياة بغير صلة بالله.

يستخدم المسلمون يوميًا تعبير "كلام الله" عند الإشارة إلى القرآن الكريم، ولكنهم عندما يقرأون منه يقولون "قال تعالى"، دون أن يتأملوا الفرق بين المصطلحين. فما الفرق بين الكلام والقول في سياق القرآن الكريم؟ ولماذا يجب أن يكون حديثنا صلةً بالله لا انفصالًا عنه؟

الكلام والقول في القرآن الكريم

يقول الله تعالى:

{أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (البقرة: 75).

كلام الله يُعقل قبل أن يُقال، وتحريفه كان عن علم وليس عن جهل. أما قوله تعالى:

{إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ، وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} (الحاقة: 40-42).

فنرى أن القرآن قولٌ ينقله الرسول الكريم، لكنه يحمل في طياته كلام الله الذي يحتاج إلى تعقلٍ وتدبر. فالرسول الكريم لم يكن يتقول، بل نقل قولًا يحمل معاني الله وكلامه، وهذا هو جوهر الصوم عن الكلام: أن يكون القول مرتبطًا بكلام الله، لا لغوًا منفصلًا عنه.

الصوم عن الكلام: تهذيب النفس وربط القول بالصلاة

إن الصوم عن الكلام ليس مجرد امتناعٍ عن الحديث، بل هو امتناع عن الفحش واللغو وكل ما يبعد عن الله. في قصة مريم عليها السلام، عندما صامت عن الكلام، كان ذلك لإخضاع النفس وتسليمها للخالق:

{فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} (مريم: 26).

إنه صومٌ عن كل قولٍ لا يرتبط بالله، فلا تُقال إلا الكلمات التي تعكس الحكمة والخير، وهو ما يجعل الكلمة جزءًا من العبادة.

الفرق بين الكلمة والقول في القرآن

يُفرّق القرآن بين "الكلمة" و"القول"، فالكلمة تعبر عن معاني كامنة في الذات، بينما القول هو وسيلة نقل هذه المعاني إلى الآخرين. يقول الله تعالى:

{وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} (طه: 7).

فما كان مستترًا في القلب يُعتبر "كلامًا"، وما يُخرج للعلن يصبح "قولًا". وهنا تظهر أهمية الصوم عن الكلام، فهو تهذيبٌ لما يجول في النفس قبل أن يُنطق به، بحيث يكون القولُ مصاحبًا للصلة بالله.

كيف يكلم الله البشر؟

يوضح الله تعالى أن تكليمه للبشر يكون بثلاثة طرق:

  1. وحيًا: بإيحاء المعنى دون وجود كتاب مكتوب، كما في مراحل الأنبياء الأولى.

  2. من وراء حجاب: كما كُلِّم موسى عليه السلام.

  3. بواسطة رسول: كما أوحى الله إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم من خلال جبريل عليه السلام.

الكلام بين الصمت والقول: رحلة العقل والروح

الصوم عن الكلام لا يعني فقط الامتناع عن النطق، بل هو تنقية للنفس من أي قولٍ لا يحمل صلةً بالله. إن التحدث بلا معنى أو نشر الكلمات دون حكمة هو انفصالٌ عن الصلة الإلهية، في حين أن الامتناع عن الكلام الذي لا ينفع، هو تجسيد لمعنى الصلاة الدائمة لله، حتى في الصمت.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} (الأحزاب: 70).

فالقول السديد هو القول الذي يحمل في طياته معنىً مستمدًا من كلام الله، لا مجرد حديث دنيوي يخلو من التذكرة والعبادة.

ختامًا: الصوم عن الكلام كعبادة مستمرة

إن الصيام عن الفحش واللغو هو جزءٌ من العبادة، تمامًا كالصلاة، فهو تذكيرٌ دائم بأن كل ما ينطق به اللسان يجب أن يكون انعكاسًا لمعرفة الله. وحينما يكون القول مرتبطًا بالله، فإنه يصبح جزءًا من ذكره، تمامًا كما أن الصمت عن اللغو هو جزءٌ من الصلاة الدائمة.

نسأل الله أن يجعل قولنا سديدًا، وكلامنا حكيمًا، وصمتنا عبادة.

تعليقات