الفتنة الكبرى (الجزء الثاني) : كرسي سليمان عليه السلام



الفتنة الكبرى (الجزء الثاني) : كرسي سليمان عليه السلام


سبق أن طرحنا في الجزء السابق أننا نتجه مستسلمين لعالم يساق بالكامل من خلال التكنولوجيا وقلنا لابد أن نعي أولاً طبيعة ما ألقاه الله على سليمان من علم .. فأشباه وصور هذا العلم سبباً أساسياً في فتنة هذا العصر .. فقد حولوه إلى مسخ وسخروه في إطلاق عنان الطاقة السلبية .. قال تعالى :

{ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) } (سورة ص 34)

ففي هذا الجزء سوف نتكلم عن طبيعة كرسي سليمان .. الذي أسماه البعض أسطورة خاتم سليمان .

فما هو  كُرْسِيِّهِ

كُ : كُرْسِيِّهِ .. هو عبارة عن إطار ومحتوى وتكتل وتآلف وتوافق مكونات مختلفة في قالب واحد ذو قوة وسلطان  هذا القالب يجمع ويوصل ويضم خواص قوة ظاهرة وأخرى باطنه أي  داخلية وخارجية واصل بين بيئات وساحات  مختلفة ومتباعدة تجعله قادراً من خلاله إعادة بناء الحالة أو الشيء أو الأمر الذي سبق أن نفذه به .. وهذا القالب كان طبقاً لما جاء بالآية جَسَدًا

والقوة والسلطان متعدد فهناك قوة وسلطان العلم والقوانين الفيزيائية والكيميائية وقوة وسلطان المال والسلاح وغيرها كثير .. ولابد لكي تصبح فاعلة لابد أن يكون لها إطار متوافق مع بعضه البعض سواء كان يشمل قوة واحدة أو عدة قوى متشاركة معاً ومجموعة في قالب واحد لاستعمالها سواء في كتاب أو سلاح أو أي شيء وفي حالة سليمان عليه السلام فهذا الإطار المتوافق قالبه جسداً وهذا ما سوف نعرف طبيعته المتميزة عن باقي القوى

رْ : كُرْسِيِّهِ ..  ربط بين أمور وأشياء متعددة وتحكم فيها حتى بدون اتصال مادي بين الكرسي وسليمان عليه السلام  وهذه الأشياء وحتى بعد ما مات بقى الكرسي فاعلاً ولم يكتشف المُسَخرين من خلال هذا الكرسي الجسد أنه توفى إلا بعد أن أكلت دابة الأرض منسأته .. وسوف نشرح ما هي تلك المنسأة ودابة الأرض

سِ : كُرْسِيِّهِ .. من خلاله كان يمكن بلوغ مركز وعمق شيء ما ويتحكم ويسيطر من خلال أمر خارجاً من هذا الكرسي إلى  هذا الشيء للتمكن من الانتقال من موضع إلى موضع ومن حالة إلى حالة من خلال طاقة رابطة فيما بينهما ومسخرة لذلك ألا وهي طاقة الجن ومجالها محمل عليها الأمر للتنفيذ

يِّ : كُرْسِيِّهِ .. من خلاله تخرج  تلك القوة والسلطان أي الأمر  فيكون الكرسي مصدره دون عودة حاملاً أمر تغيير الموضع أو الحالة السابقة للشيء ويحل محلها الموضع أو الحالة التي تحمل الأمر الجديد  فتصبح الحالة الجديدة للشيء محل التحكم به الأكثر وضوح والأنشط والأغرب والأكثر تأثيراً فتصير عملية التغير بأشكال متعددة من صور الأمر وأشكال التنفيذ المتعددة

هِـ : كُرْسِيِّهِ .. من خلاله يهيمن سليمان عليه السلام من خلال هذا الإطار والمحتوى أي من خلال الكرسي وما يخرج منه من قوة وسلطان وأوامر متتالية في مراحل التغيير لما سبقها من أوامر أو الأوامر المتعددة التي  تحل محل سابقتها مهندساً بهذا الكرسي موضع وحالة الشيء محل التحكم به
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولم تأتي كلمة (كرسيه) ومصدرها كرس إلا في آيتين في القرءان الكريم في قوله تعالى :
{ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) } (سورة البقرة 255)
وكذلك قوله تعالى :
{ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) } (سورة ص 34)
والفرق بينهما واضح فالله تعالى القوة والسلطان موصولة به ومتواصلة  بل هو مانحها فجاء كُرْسِيُّهُ مضموم في الحرفين الأخيرين الياء والهاء واللذان يعبران عن خروج القوة والهيمنة على هذه القوة إلا أنها قوة وسلطان موصولة بالله تعالى وليس موصولة بدونه أما مع سليمان عليه السلام جاءت برسم وتشكيل كُرْسِيِّهِ .. بالكسرة في حرفي الياء والهاء فهو أيضا القوة والسلطان تحت إرادته ويهيمن عليها إلا أنها خارجة عن ذاته فهذا الكرسي غير موصول به ولكن يمكنه تشغيله من خلال منسأته .. وبقى مفعلاً حتى أكلت منسأته الدابة ثم خر النظام حينها

والفارق الثاني والأهم أن ما ألقاه الله تعالى لسليمان عليه السلام من فتنة المعرفة والعلم والقدرة من قوة وسلطان إطارها ومحتواها جَسَدًا .. فلا يمكن أن يصل الإنسان لقوة التحكم في شيء مثل الأسلحة أو التلفزيون أو الطاقة إلا من خلال إطار ومحتوى مادي يمثل جَسَدًا يمكن من خلاله إدارة هذه القوة والسلطان أما الله تعالى لا يحتاج لجسد مادي لتنفيذ أمراً من أوامر الله تعالى

وقد أعتمد كثير من المسلمين لفهم هذه الآية الخاصة بسليمان عليه السلام من خلال الإسرائيليات .. التي أنكرها البعض الآخر منهم .. وإن كان البعض الآخر أعتمد على روايات مثل خاتم سليمان لعدم معرفته أو علمه عن هذه القوة والسلطان شيئاً .. وإن كان دون أن يدركوا فإنهم وصلوا لجزء من الحقيقة وأنه لدى سليمان قوة وسلطان يتحكم بالأشياء من خلالها فأنت يمكن أن تمسك بالريموت أو أي جهاز للتحكم عن بُعد في الأشياء بل بالصواريخ والطائرات بدون طيار أو بالأقمار الصناعية فهذا كرسي الحياة الدنيا إلا إنه دائماً لابد أن يكون من خلال جسد مادي يتيح لنا هذا التحكم والسيطرة وإن كانت جميعها في زماننا متفرقة غير مجموعة في جسد واحد

وقد أفتتن سليمان كما أفتتن الناس في عصرنا بهذه القوى المادية إلا أن سليمان أناب وعلم أن هذه القدرة مهما وصل من تحكم فهناك علم الله الجامع الذي يفوق كل علم نصل إليه بل أنه من عند الله فأناب لله وطلب ما هو يتعدى حدود الجسد المادي .. فسخر له الله تعالى مركز ما هو خفي من القدرة والمعرفة للتحكم بالرياح والشياطين

فما يعطينا الله تعالى من علم ومعرفة وقدرة هي ما ألقى الله لنا أما ما سخره لنا من سُنن كونية لا يمكن أن نتحكم بها فما كان ينبغي لأحد وما سخره لسليمان لم يسخره لأحد من بعده

والسؤال لماذا على وجه التحديد كان هذا الكرسي جسداً وليس بدناً أو جسماً .. ولماذا أيضاً كان بني إسرائيل اتخذوا عجلاً جسداً .. ففتنهم في حين أن فرعون نجاه من البحر ببدنه .. ولماذا كان طالوت ظاهر التميز فيه إلى جانب العقل .. الجسم .. ولم يقل الجسد أو البدن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فما الفرق بين الجسد والجسم والبدن
وما طبيعة أن يكون كرسيه جسداً وخصائصه
إلى اللقاء في الجزء الثالث
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الفتنة الكبرى (الجزء الأول) : فتنة سليمان عليه السلام



الفتنة الكبرى (الجزء الأول) : فتنة سليمان عليه السلام  


لكي نعي ما نتجه نحوه مستسلمين .. وإذا قرأنا القرءان سوف نكتشف أننا في خِضَم الفتنة الكبرى حيث أننا جمعنا من كل علوم الحضارات السابقة التي جاء ذِكرها فيه فقد جمع هذا العصر قشور من تلك الحضارات مجتمعة فنسجت خيطاً عنكبوتياً يبدو في ظاهره قوياً ولكن في تفاصيله واهناً ضعيفاً شقياً لأنه كان سعياً لتفاضل فئات بشرية على أخرى سعت للتحكم بالآخرين وجعلهم تحت سيطرتهم

فهي حضارة شيطانية بمعنى الكلمة وإن وضعوا لها مساحيق تجميل من الأحبار والباباوات والشيوخ الذين جعلوا الناس مغيبين ومنعوهم من التفكر في دينهم

وفي سعينا لمعرفة تفاصيل هذه الفتنة لابد أن نتعرض لبعض هذه الحضارات التي نقلنا عنها أو تلت الشياطين عنها وسنبدأ  أولاً بما ألقاه الله على سليمان من علم .. فأشباه وصور هذا العلم سبباً أساسياً في فتنة هذا العصر .. فقد حولوا هذا العلم إلى مسخ وسخروه في إطلاق عنان الطاقة السالبة .. في حين أن ما ألقى الله على سليمان فتنة علم خاص به ليس لعموم البشر .. وبالطبع لا نستقي شكل وظاهر مُلك سليمان من الإسرائيليات ولكن نعرف عنه من خلال القرءان حيث قال تعالى

{ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) } (سورة ص 34)
(فَتَنَّا)
فَ : فلقد ألقى الله تعالى على سليمان عليه السلام من المعرفة والعلم ما يمحص بها نفس سليمان عليه السلام  بمفارقة وزيادة كبيرة عن المعرفة والعلوم التي تفوق كل علم عرفته البشرية تَ : تلك المعرفة والعلم والقدرة كانت تتكامل وتُتِم له قوته وسلطانه الدنيوي فكانت المعرفة هي المصدر الأساسي لقوته وسلطانه  ن :   المتفوقة عن كل قوة أخرى فهي المعرفة والعلم والقدرة الناتجة من علم الله تعالى وبقدر الله تعالى كنسبة من هذا العلم نقيه بلا اختلاط مع المعارف أخرى (فرع من المعرفة والعلم والقدرة مُتفرد)  ا : فهو أفضل وأقصى علم يمكن أن تصل له البشرية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فالفتنة عموما هي كل معرفة وعلم وقدرة يلقي الله لنا بها فبإدراكنا لها وتمكننا من استخدامها ليمحصنا الله بها  فإما نقوم بإتمام استخدامنا لها في طاعة الله بخير وإتقان وإما نستخدمها بهلاك وتلف وإفساد للأشياء .. فكاد سليمان أن يَركن لما هو تلف للبشرية حيث كانت طاقة الجن من ضمن مصادر قوته والتي هي من الضروريات في عالمنا ولكن لها من العيوب ما يمكن أن تؤدي إلى فتنة الناس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وَأَلْقَيْنَا)
وَ : فجمع الله ووصل وضم لسليمان عليه السلام خواص كُرْسِيِّهِ جَسَدًا .. الذي يوصل من خلاله بين بيئتين بيئة جسد الكرسي وبيئة ما يتم التحكم به عن بُعد بهذا الكرسي أَ : بتآلف مستمر لهذا الكرسي وما يُتِم قدرته في التحكم بمملكته من خلاله وضبطه ضبطاً تاماً وكأنهما سليمان عليه السلام وكرسيه شيئاً واحداً في أقصى ضبط ممكن  لْ : هذا التحكم عن بُعد في أمور مملكته تم من خلال تلاحم وتواصل من خلال  الكرسي جسداً بنسيج حركة في مجال معالجة أمور وأحوال التحكم لينقل أشياء من حال إلى حال  ومن خلال نطاق لنطاق آخر  قَ : فهذا التلاحم مع تلك المعرفة أتى له  بخروج معرفة وعلم وقدرة من عند الله وبأمره واندمجت في عُمق نفس سليمان عليه السلام  يْ : فأخرج له المعرفة من عند الله وبأمره في مرحلة تغيير لمعارفه السابقة ليحل محلها هذه القدرة والمعرفة الجديدة فهي المعرفة والقدرة الأكثر وضوحاً والأنشط والأغرب والأكثر خطورة  نَ : فألقى الله له المعرفة على حالتها النقية من عند الله التي له الاختيار في استعمالها في الخير أو الشر فهي أداة فتنته فهي نسبة موصولة بعلم الله تكون نقية بلا اختلاط مع فروع المعارف الأخرى الدنيوية المكتسبة ا : فكانت تلك المعرفة مستمرة متراكمة في تأليف مستمر بين كشفها له وبين أموره وأحواله التي يحتاجها فيها في ضبط مستمر لهذا الكشف في سياقه فكان هو الأفضل في فروع المعرفة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي أن معارف وعلوم سليمان عليه السلام تراكمية وعلى مراحل وهذه طبيعة الإلقاء على العبادبقدر قدرتهم على التحمل .. فإن الله تعالى يلقي لعباده المعرفة ويلقي بين أيديهم ويُخرج لهم من مواد الكون ما ينفعهم ويفتنهم بها في ذات الوقت حيث يضعها بين أيدي عباده إما يصلحوا بها الأرض أو يفسدوا فيها .. إلا أنه سخر لنا من السنن ما لا يلقيه لنا فهي بيد الله تعالى لاستمرار صلاح الكون مثل النجوم والشمس والقمر والرياح والغيث .. وما استثنى أحداً من هذا إلا سليمان الذي وصل من المعرفة إلى قمتها فعندما نجح فيما فتنه الله به وأناب إلى الله في كل عمل وفعل وصنع وكشفت بصيرته أن قمة المعرفة لديه لا توازي شيئاً أمام ما سخر الله لنا فطلب من الله تعالى ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده .. هذا الملك الذي لا يخضع له المعرفة الدنيوية عندها سخر له الريح والشياطين .. الخ .. وهذا الملك لم يكن لينبغي لأحد من بعد .. ولكن يظل من بني إسرائيل ومن الشياطين من يسعى لاستعادة هذا المُلك ولكنهم سوف يفسدون في الأرض بسعيهم هذا ولن يبلغوه

فسليمان عليه السلام حُجة على بني إسرائيل وغيرهم مما هم على شاكلتهم

فإِسْرَائِيل 
---------
صفتة (إِ) : أنه قام بتأليف وضبط مستمر ونشط وذو تأثير (سْ) : لما بلغ من مركز وعمق القوانين والآيات الدنيوية (رَ) : وربط تلك القوانين والآيات العجيبة في زمانه والتي بلغ إليها (ائِ) بتأليف وضبط مستمر ومتتالي ونشِط وأعجب وأغرب كل مرة وذو تأثير  (ل) : في نسيج حركة الحياة

.. وبني إسرائيل ذريته التي تميزت وأعطاها الله تلك القدرة التي أعطاها إلى إسرائيل ومن بعده فصيل تميز بهذه الميزة .. ولكن معظمهم ينحرفوا بعد أن أتاهم الله البينات وأرادوا أن يحققوا منافع خاصة بهم بما ميزهم الله به عن باقي الخلق .. ومنهم السامري .. لذلك كان رسلهم يبعثون بما هو أعجب وأعجز عن كل ما بلغوه من علم دنيوي استأثروا به .. فمنهم داود وسليمان وموسى وعيسى  كشاهدين عليهم يوم القيامة فقد بلغ سليمان قمة العلم وقمة الآيات الدنيوية ولم يكفر ولكن الشياطين من الجن والإنس كفروا لما تلوه على ملك سليمان من بعده
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهم في زماننا .. ما زالت لديهم القدرة على استخراج تلك القوانين والآيات وهم ملكوا تلك التكنولوجيا الهائلة التي استأثروا بها وجعلوها وسيلة للتحكم في العالم فعلوا علواً هائلاً .. ففتنتهم استخراجهم واستئثارهم بهذه الآيات وإفسادهم لها بدلاً من نفع البشرية بها .. وفتنتنا استعمال ما قدموا لنا على حاله الفاسد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فما هو كرسي سليمان عليه السلام  .. والذي له أشباه وصور في عالمنا
إلى اللقاء في الجزء الثاني
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط الأجزاء سوف يتم تحديثها بمجرد صدورها
------------------------------------------------
الفتنة الكبرى (الجزء الثالث) : لماذا كرسي سليمان عليه السلام جسداً
الفتنة الكبرى (الجزء الرابع) : منسأة سليمان عليه السلام
الفتنة الكبرى (الجزء الخامس) : ما هي دابة الأرض التي اكلت مِنْسَأَتَهُ
الفتنة الكبرى (الجزء السادس) : عرش بلقيس ..عروشها .. يعرشون .. معروشات
الفتنة الكبرى (الجزء السابع) : الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى .. خصائص العرش الإلهي – وكيفية تنفيذ الأمر اسْتَوَي
الفتنة الكبرى (الجزء الثامن) : كيف تقدس الملائكة لله وما دور العرش في ذلك التقديس
الفتنة الكبرى (الجزء التاسع) : ما هي الروح وخصائصها وعلاقتها بتقديس الملائكة لله

الفرق بين القرية والمدينة والبلد بالقرءان الكريم






القرية:

كلمة المصدر قري، ومعناها من خلال الحروف وتشكيلها بالقرآن الكريم.

(قَ) هي التي خرج أهلها عن طاعة الله وأمره ومنهجه واندمجوا في فتن الدنيا وصور من مناهج يتخذونها أندادًا لمنهج الله، فيكون نتاج هذا الاندماج نظامًا ومنهجًا جديدًا دنيويًا، ولا يبقى فيهم من منهج الله فيه أي أثر، (رْ) أهلها ربطوا أحوالهم وأمورهم وحياتهم والتحكم فيها بهذا المنهج المخالف لأمر الله، فلا يسمحوا بقطع صلتهم به ويتماهون فيه مهما بلغ الضرر الواقع عليهم منه، (يَ) يكون فيها المنهج المخالف لمنهج الله وأمره هو الأكثر وضوحًا والأنشط والأكثر تأثيرًا لديهم عن أي منهج آخر، (ـة) كل منهج يعتنقونه يتمم ويفاعل ويتاخم عمل ما قبله في الخروج عن طاعة الله تعالى فيهيمن عليهم هذا المنهج.

أم القرى

هي مركز جمعها والسيطرة على أهلها أي حكامها، فالنصيحة الإلهية إنذار مركز هذه القرى وحكامها وما يمسك بزمامها بهذا القرءان أولاً كما أرسل موسى عليه السلام لفرعون مصر أولاً، وهكذا كان محمدًا عندما ذهب لكبراء الطائف، وعندما كان يبعث برسائله للحكام. 

 بل يمكن إطلاق كلمة قرية على العالم كله حاليًا حيث أصبح معظمه بل كله خاضع للنظام العالمي الجديد المخالف لمنهج الله وأساسه الربا، ففي هذه الصفة يصبح قرية وبدون أن يدروا يقولوا العالم قرية واحدة.

 والله توعد هذه القرى بإهلاكها بشرطين الأول أن يبعث في أمها رسولًا وفي زماننا القرءان هو الرسالة الباقية والمستمرة، والشرط الثاني أن يكونوا ظالمين، فظلمهم لأنفسهم بالخروج عن الأمر الإلهي ليس سببًا في إهلاكهم وإنما أن يصبحوا ظالمين فيما بينهم أو على بعضهم البعض.

قال تعالى:

) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59) ( (سورة القصص 59)

الْمَدِينَة

كلمة المصدر مدن ومن مشتقاتها المدائن، ومعناها من خلال الحروف وتشكيلها بالقرآن الكريم.

(مَ) تجمع وتضم أفراد وجماعات مختلفة في المنهج فهي المكان والمحل والمنزل والمقام الذي تجعلهم يجتمعوا فيها رغم اختلافهم في المناهج واجتماعهم في مفاعلة والتفاعل في الغرض والقصد والعمل الدنيوي، فيكون المكان جاذبًا لهم لخصائصه وصفته. (دِ) كانت حركتهم إليها وفيها بقصد تغيير حالتهم أو لكي يحصلوا على نتيجة مغايرة لما كان بموطنهم الأصلي فبتداخلهم معًا وتجمعهم في هذا المكان يقودهم من حال لآخر مغاير لحالهم السابق (يـ) بها يتجمع الناس لأنها هي الأشد والأكثر تأثيرًا بين نظرائها، فيخرج من موطنه الأصلي إليها كونها نشطة في مجال السعي والقصد الذي يراد منها فهي الأنشط والأوضح بين كل ما حولها بالنسبة لمن يسعون إليها ويتجمعون فيها وإليه، (نَ) يكون ناتج المتجمعين إليها نقيًا عنها فهم نسب موصولة بأصول مواطنهم الأصلية نفروا منها وانتقلوا إلى المدينة فيها كل فرد أو مجموعة متشابهة متنافرين عن غيرهم مستقلين عنهم، فكل فرد أو مجموعة متشابهة تقوم بحركتها في مجتمع المدينة مستقلين عن الآخرين دون الحاجة إليهم وإن كان في مجموع حركتهم يكون نتاج حركتهم كأنها كيان حركة واحدة وإن استقلوا عن بعضهم البعض في الحركة، (ـة) فيها كل تجمع إليها من الناس إما يتمم التجمع الذي ما قبله بحركته وقصده وسعيه فيكون خيرًا لها وزيادة من إتقان السعي والقصد، وإما يكون سبب هلاكها وتلفها وعبئًا عليها فالجمع إليها يسعى للهيمنة والمنافسة مع ما قبله ويكون له الغلبة من خلال هويته أو عصبيته أو صنعته... الخ، فالغالب منهم يحدد هوية المدينة.

قال تعالى:

) قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) ( (سورة الأَعراف 123 - 125)

وهنا بالنسبة للسحرة هي مدينة حيث كان سعيهم إليها وتجمعهم فيها وقصدهم منها ينطبق عليهم فيها خصائص المدينة، حيث كانوا قبل إيمانهم فئة يبغون علوًا وتميزًا ويسعون للغلبة على فئات أخرى وغيرها من الخصائص التي ذكرناها.

قال تعالى:

) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101) ( (سورة التوبة 101)

فمجتمع المدينة غير متجانس فيها فئات عدة كان كلًا له سعيه يسعى للغلبة بهويته على الآخر فكان هناك الأوس والخزرج وصاروا الأنصار، وأصبح هناك المهاجرين وكان اليهود والنصارى وغيرهم وكان فيهم منهم المنافقين ومنهم من خلطوا عملهم بين صالح وطالح،

وقد قال تعالى:

) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82) ( (سورة الكهف 82)

فجاء لفظ المدينة، في حين ذات المكان قال تعالى عنه:

) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) ( (سورة الكهف 77)

فكيف هذا التباين، فبالنسبة للطفلين وأبوهما ليس موطنهم الأصلي ولكن هذه القرية وإن كانت ظالمة إلا أنها بالنسبة لمن سعى إليها وهو صالح مغاير لحالتهم الظالمة فهي مدينة تنطبق عليها بالنسبة له صفات وخصائص المدينة كما في قوله تعالى:

) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) ( (سورة يس 20)

) وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) ( (سورة القصص 20)

فكلا الرجلين في الآيتين ليسوا من ضمن الظالمين وكلاهما ممن سعوا إلى هذه الأرض لقصد دنيوي مختلف عن هوية وحال غيرهم.

البلد:

كلمة المصدر بلد، ومعناها من خلال الحروف وتشكيلها بالقرآن الكريم.

(بَ) يظهر ويبرز ويبدو عليها ومن داخلها ظاهرًا خارج محيطها التآلف والضبط المستمر الأمور والأحوال المتفرقة والمختلفة للمكان وأهله ضبطًا تامًا فيصيروا قالبًا واحدًا على أفضل حال وأقصى مدى ممكن، (لَ) يظهر عليها التلاحم والتواصل بنسيج حركة حياتهم في مجالهم وأمورهم وأحوالهم وشخوصهم فيكونوا فيها متلاحمين متواصلين حتى في الأحاسيس والشعور والأذواق (د) ما يظهر عليهم من تآلف وضبط خاضعة لحركة بقصد وقوانين وأعراف وسنن تحكم هذه البلد تجعلها على حال التواصل والتلاحم في الهدف فأي تغيير في حركتهم يشتركوا فيه معًا لإنجاز الهدف من التغيير.

ففي حركتهم فرادى اكتمال لحركة البلد كلها وتحقيق لهدفها من الحركة ولابد أن يتلاحموا جميعًا بنسيج حركة واحد مكون لكامل الحركة، لذلك جاءت البلد في القرءان أيضًا بمعنى الجسد الإنساني المتلاحم والمتواصل بنسيج حركة واحدة، وقوانين حركة تتكامل مع بعضها لتنفيذ أي حركة لهذا الجسد فكان قوله تعالى:

) لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) ( (سورة البلد 1 - 4)

فهذه البلد نحن كأنفس تحل عليها فهي سيارة النفس في نسيج حركة واحد بذات صفات البلد التي يشترك في انجاز نسيج حركة متكامل، فكان كل خلية بهذا الجسد والد ينتج الولد من أجل استمرار هذه البلد في نسيج حركة الحياة.

وقوله تعالى:

) وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ( (سورة التين 1 - 4)

فهذا الجسد جعله الله حين يولد بلد أمين، وضع فيه كل قوانين نسيج حركة الحياة فكان (والتين والزيتون) التمثيل الغذائي وتواصلها واستمرارها كعملية هامة من أجل تخليق الطاقة النقية والقوية (الزيتون) التي يحتاجها هذا البلد الأمين، وهذه العملية موصولة ومستمرة مع (وطور سينين) أي أطوار الخلايا المستمرة من خلال تطويع الطاقة الآتية لها من العملية السابقة من التمثيل الغذائي وإنتاج مستمر للخلايا لاستعاضة ما يموت منها، وهذا كله يتم داخل هذا البلد الأمين من أجل تقويم حالة الجسد الدائمة وللإنسان أن يحافظ على الجسد أمينًا وإما يفسد فيه بالشهوات فيرد لأسفل سافلين.

الفرق بين القرية والمدينة والبلد

من خلال العرض السابق يمكن أن نعي الآن الفروق بوضوح وهي

فالقرية هي اجتماع أهلها على منهج ودين وسلوك عام عادةً يكون مخالف للأمر الإلهي وفطرته، ولها كبراء أو مركز ثقل يكونوا أعتى من فيهم في معصية الله وأهلها من ورائهم.

أما المدينة فهي ناتجة عن مجموعات غير متجانسة من الأفراد والجماعات والعصبيات والأديان ليست هي موطنهم الأصلي بل سعوا إليها من أجل هدف لا يجدونه في موطنهم الأصلي ويتنافسوا فيها من أجل تحقيق أهدافهم وكل منهم يسعى ليكون له الغلبة على غيرهم.

فالقرية ربما تصبح لبعض الناس الذين سعوا إليها مدينة، ولكن المدينة لا تصبح قرية فهي غير متجانسة

أما البلد فهي مجموعة واحدة من الناس متجانسة متلاحمين متواصلين في علاقتهم مع بعضهم البعض ليس بينهم أغراب عنهم يسعون جميعًا لتحقيق هدف استمرار نسيج حركة حياتهم فالفرد هو خلية من ضمن جسد البلد.

فالبلد لا يمكن أن تكون قرية أو مدينة.

فالله تعالى جاء بلفظ قرية حين وصف حال أهل المكان الذين رفضوا ضيافة العبد الصالح وموسى عليه السلام، وحين تكلم عن الغلامين اللذان أبوهما صالحين وصفها بالمدينة لأنها بالنسبة لأصحاب الجدار ليس موطنهم الأصلي فهم غير متجانسين مع أهل القرية فصارت بالنسبة لهم مدينة، وكذلك كل من الرجلين اللذان أتيا من أقصى المدينة وكل منهما يسعى أحدهما ليقول للظالمين أن يسمعوا كلام الرسل والثاني ليحذر موسى عليه السلام؛ فكلاهما جاءا في هذا المكان للسعي مع عدم تجانسهم مع أهل المكان ولم يجاروهم في معصيتهم فصارت بالنسبة لهم مدينة.

لماذا إسمه إِبْلِيس




لماذا إسمه إِبْلِيس

قال تعالى :
{ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21) } (سورة سبأ 20 - 21)

كلمة المصدر (بلس) .. فما معنى إبليس من خلال حروف وتشكيل الاسم :


إِ : إسمه إِبْلِيس .. لأنه يقوم بتأليف وضبط مستمر بين ما يبديه ويبرزه للإنسان بما يخالف الأوامر الإلهية المختلفة والمتفرقة ويضبط هذه المخالفة ضبطاً تاماً فيجعل ما أبداه للإنسان وأبرزه كأنه هو الأمر الإلهي شيئاً واحداً ويصوره له أنها الطريقة  الأفضل والأنشط والأكثر تأثيراً  في تنفيذ الأمر الإلهي فيكون الناتج خروج تام عن الأمر الإلهي


بْ : اسمه إِبْلِيس .. لأنه يُظهِر ويُبدي ويُبرِز ويبرر للإنسان ما يُخرِج الأمر الإلهي عن محيط هذا الأمر بتغيير خصائصه عن أصله فيؤدي في النهاية لنقيضه فهو يبدي الأمر مكن نطاقه لخارج هذا النطاق

لِ : اسمه إِبْلِيس .. لأنه بما يبديه ويبرزه للإنسان يصوره له أنه أكثر تلاحماً وتواصلاً مع نسيج حركة الحياة فينقل الأمر الإلهي من نطاق إلى نطاق آخر مختلف فيلف ويلبس الأمر الإلهي بآخر ويأخذه لمجال آخر  

ي : اسمه إِبْلِيس .. لأنه بما يُبديه للإنسان ويُبرزه يكون في المرحلة الأشد والأكثر تأثيراً ووضوحاً والأنشط من بين كل مراحل تنفيذ الأمر الإلهي أي في مرحلة وضوح الفعل

س : اسمه إِبْلِيس .. لأنه يُبدي ويبرز ما يخالف أساس ومقياس الفعل ويخالف المركز والعمق الذي وضع من أجله الأمر بما يجعل هذا النقيض والمخالفة يسيطر على جميع مراحل تنفيذ الأمر الإلهي ويسطر عليه سيطرة تامة مما يجعل هذه المخالفة للأمر الإلهي تنتقل من حالة إلى حالة ومن موضع المنفعة العامة إلى موضع المنفعة الخاصة وتصبح تلك الحالة الجديدة من سنن حياة وحركة الإنسان على حال واحد غير قادراً على الخروج من هذا الحال الذي وصل إليه
-------------------------------------
كمثال .. ما نعيش فيه من نظام عالمي يصعب الخروج منه هو نتاج تلبيس إبليس للأمر الإلهي في مراحل هامة لتنفيذ الأمر الهي وإخراجه من أصله فأصبح سعر الفائدة حلال على لسان رجال الدين حتى أصبح من أساسيات استمرار هذا النظام وأصبحت الدول والأفراد عبيد لهذا النظام وما تخلل ذلك من تلبيس على مراحل الجبِبت والطاغوت الرأسمالي وغيرها من المذاهب والمعتقدات الدينية والدنيوية .. فأخرجوا الأمر الإلهي من غايته وهو خفض معدلات البطالة وعدم جور الغني على الفقير واحتياج كل منهما للآخر .. فإذا يبدي لهم أن الربا أهم شيء في النظام فتمسك الناس بهلاكهم وزادت الفوارق وقلت الطبقات وفسد الغني والفقير وفسدت معيشتهم وزادت معدلات البطالة والفقر .. فأصبح البديل شن الحروب والفتن من أجل إعادة توزيع الثروات بين الدول واستغلال دول لأخرى .. وبدلاً من أن يرجعوا لأصل أمر الله يفكرون في التخلص من جزء كبير من سكان الأرض عن طريق الحروب 

وكمثال آخر على المستوى الفردي .. يمكن أن نضربه للإيضاح .. فمثلاً الزكاة أو الصدقة أو حتى الصلاة .. حينما يُخرِج الإنسان عن أصل الأمر بتلبيس هذا الأمر بالاستفادة الدنيوية بأهم مرحلة من مراحل الأمر .. حينما يوسوس للإنسان بأنه الأفضل في الصدقة أو الزكاة العلانية حتى يراه الناس فيصيبه بالرياء وحب الشهرة .. وحين يصلي يتلمس أن يراه الناس مداوماً عليها فيهتم باشتهاره بين الناس بها فيكون مرابضاً على مسجد بعينه ومكان داخل المسجد يحفظه الناس به .. فيصيب الإنسان في أهم مراحل تنفيذ الأمر الذي فيه يكون بيان حقيقة العمل لله أو لإصابة دنيا ..

وهكذا إبليس على المستوى الفردي والجماعي .. يُخرِج الإنسان والمجتمع  عن الأمر الإلهي بما يبديه من أفكار تحقق ظن بالنفع الدنيوي يجعل كامل الفعل يخرج عن غاية الأمر الإلهي
==========
الأدهى أن إبليس مارس نفذ الغواية ونفس صفة نفسه على نفسه .. حيث أبدى وأظهر وأبرز تبرير مخالفة الأمر الإلهي له بالسجود لآدم وتلاحم وتواصل بحركة نسيج حياته هو ومنفعته وتعلل بالصفة الأنشط والأكثر تأثيرا فيه وهي أهم أسباب تسخيره طبيعته وخلقه من نار .. فجعلها مركز مخالفته للأمر الإلهي وأساساً ومقياساً وسنة له لمخالفة الأمر الإلهي فكانت غوايته في صفته ومركزها طبيعة مادة خلقته فطبيعة النار هي تغيير طبيعة الأصل أي طبيعة مصدرها بل وتضمرها وتنسفها وتفنيها .. حيث قال تعالى :

{ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) } (سورة الأَعراف 11 - 16)



ما هو المارج من نار ؟!!!!




ما هو المارج من نار ؟!!!!
فقد قالوا عنه لهب النار المختلط بعضه

ببعض .. فلنرى الحروف ماذا سوف تقول لنا وهل سوف تؤيد قولهم وهل سوف تدلنا ما هي طبيعة النار تلك
حيث قال تعالى :
{ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) } (سورة الأَعراف 12)
{ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) } (سورة الحجر 27)
{ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15) } (سورة الرحمن 15)
============
فالجان خلقهم الله من النار ولكنها من نوع نار السَّموم والتي على حالة مارج من تلك النار

فما هي النار ؟!!! .. وما هي نار السَّموم ؟!!! .. وما هو المارج من نار  السَّموم ؟!!!!

======
النَّار ؟!!!!
======
مصدر الكلمة نور .. وقد سبق وأن تكلمنا عن  النور .. إلا أننا هنا نجد أن النار .. بدلاً من الواو في كلمة المصدر نور .. فقد تم وضع الألف .. فتجد أن الألف .. فتعالوا نرى الفارق في خصائصهما

 ن .. النَّار  .. هي النقي الناتج من أصل وهو نسبة من كل موصول به نازع لنقاءه عن أصله وقد ينسف وينهي أصله فيعطي نسخة من الأصل بلا اختلاط مع هذا الأصل فيعطي نواتج كنسخة أو أشباه من طاقة وذرات وجزيئات الأصل لتنتقل  بعيداً عن أصلها وتنتشر متنافرة مع هذا الأصل

ا .. النَّار  .. هذا الناتج ينتج بتأليف وضبط مستمر بين أحوال وأمور الأصل وهذه النار فيحتاج إلا ضبط تام حتى يصبحا النار ومصدرا شيئاً واحداً في أفضل حال بينهما

ر : النَّار  .. ترتبط مع أصل إنتاجها فيصبح بينهما صلة لا تنقطع فيحافظا على الرابطة فيتحكم الناتج ألا وهو النار في الأصل وأطرافه

..  فالشمس مكوناتها الغازية أنتجت ناراً كنسبة من طاقة هذه الغازات والمواد إلا أنها تبدو نقية عن أصل تلك المواد ومختلفة عنها وتسفها وتنهي عليها وتستهلك طاقتها .. إلا أنهما بينهما تأليف وضبط لاستمرار اشتعالها وترابط فيما بينهما فلو انقطع الرابط مصلاً بين مادة البوتاجاز كمصدر للطاقة والنار إنطفات

===============
والآن ما هي نار السَّمُومِ
----------------------------

قالوا عنها نار شديدة الحرارة لا دخان لها .. وقالوا عن السَّمُومِ الريح الحارة التي تنفذ إلى المسام .. فما هي تلك النار  التي تم خلق الجان منها  لقول الله تعالى :
{ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) } (سورة الحجر 27)
فالجان خُلقوا من نار وليست أي نار فهي نار السَّمُومِ

ولكن أولاً ما هي خصائص النار عموماً لكي نعرف بعد ذلك ما هي نار  السَّموم

سَّ : نار السَّمُومِ .. تنشأ تلك النار من أشباه وصور من مصادر النار لكن تلك النار ليست كالنار العادية فمصادرها وضِعَت  بعمق ومركز ما  بتركيز وضغطها داخل هذا العمق والمركز وتم التأليف والضبط المستمر والسيطرة على تلك المصادر سيطرة تامة في داخل هذا العمق في قالب واحد حتى أصبحا وهذا العمق الذي يحتويهم شيئاً واحداً للتمكن من نقل تلك المصادر للنار من هذا العمق لنطاق آخر ومن مستوى إلى آخر ومن مجال طاقي إلى آخر لتنطلق من هذا المركز إلى خارجه لتنتشر تلك المصادر للنار بعيداً عن هذا العمق والمركز 

مُ : نار السَّمُومِ .. يتم جمع هذه الأشباه ومصادر إنتاج النار وتتداخل في قالب واحد في مقام لها ومكان وميقات محل جمعها ومنزلها لحدوث الأمر أي إنتاج نار السَّموم

و : نار السَّمُومِ .. بجمع ووصل تلك الأشباه من مصادر الطاقة بخواصها الداخلية من عمق محلها ومنزلها بأخرى مصادر خارجية  أي لحظة الوصل بين ما  بالعمق الباطن وما هو ظاهر فيوصلهما مع بعضهما البعض حتى ينتج تلك النوع من النار أي من نوعية نار السَّموم

مِ : نار السَّمُومِ .. تستمر بذات الكيفية بتكرار حرف الميم أي استمرار جمع هذه الأشباه ومصادر إنتاج النار وتتداخل في قالب واحد في مقام لها ومكان وميقات محل جمعها ومنزلها  بهذا العمق والمركز لحدوث الأمر أي إنتاج نار السموم بخروجها من مصادرها من هذا العمق الذي تخرج منه واستمرار الأشباه الظاهرة فتكون نار ليست عادية وإنما هي الأنشط والأعجب والأكثر تأثيراً والأوضح
-----------------
وبمراجعة تلك الخصائص السابقة التي شرحتها لنا حروف الكلمة وتشكيلها نجد أننا في حياتنا الدنيوية  لدينا نوع من النار يمكن إطلاق اسم نار السَّموم عليه حيث اشترك هذا النوع بذات الخصائص .. فنحن نضع أشباه النار أي مصادرها مثل غاز البوتاجاز ونضعها في عمق مقام ما مثل أنبوب البوتاجاز بتركيز وضغط داخل عمق الأنبوب وببلوغ مصادر الطاقة من الغاز عمق وتركيز كبير جداً داخل هذه الأنبوب والسيطرة عليها سيطرة تامة تحت ضغط يحبسها في مقامها داخل أنبوبة البوتاجاز يمكن نقل هذه المصادر أو الغاز من نطاقها بهذا العمق إلى خارجه والتحكم فيه وبوصله واتصاله ووصوله مع مصادر خارجية للطاقة مثل الأكسجين وإتمام التفاعل تظهر نار السَّموم .. نار بلا دخان وأقوى وأنشط وأكثر تأثيراً وباستمرار جمع مصادر إنتاج النار بهذا العمق وخروجها المستمر تزداد قوتها ..

هذا مثال للتطبيق الدنيوي .. ولعلهم كانوا موفقين في وصفها أنها نار بلا دخان .. فهي ليست كالنار التي تخرج من مصادر لا يتم السيطرة عليها ولا ضغطها في مركز وعمق بعيداً عن المصادر الأخرى المسببة لاشتعالها بما يسمح بالسيطرة الكاملة عليها وعلى قوتها ولكن ربما في زمانهم لم يصلوا للتطبيق الدنيوي الذي يجعلهم يعرفوها لو علموا خصائصها
-------------------
فما هو المارج من نار ؟!!!
================

ثم نأتي لنعرف على مَارِجٍ مِنْ نَارٍ .. فقد قالوا عنه لهب النار المختلط بعضه ببعض .. فلنرى الحروف ماذا سوف تقول لنا وهل سوف تؤيد قولهم وهل سوف تدلنا ما هي طبيعة النار تلك
حيث قال تعالى :
{ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) } (سورة الأَعراف 12)
{ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) } (سورة الحجر 27)
{ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15) } (سورة الرحمن 15)
============
فالجان خلقهم الله من النار ولكنها من نوع نار السَّموم والتي على حالة مارج من تلك النار

======
مَارِجٍ مِنْ نَارٍ
======
مَ : مَارِجٍ مِنْ نَارٍ .. قالب من نار كأنه جسم واحد ناتج عن جمع وضم وتداخل متلاحق من  النار في مقام ومكان وميقات ناتج مفاعلة بين هذا الضم والتداخل للنار حيث تتدفق في هذا المارج ليحل كل آتي منها على ما قبلها

ا : مَارِجٍ مِنْ نَارٍ .. هذا القالب المتدفق المتداخل المجموع والمضمومفي حيز وكينونة من النار في حالة تدفق متآلف ومستمر ومنضبط انضباطا تاماً ليصير التدفقات المختلفة والمتتالية كأنها جسما ًواحدة من النار في أقصى ضبط ممكن

رِ : مَارِجٍ مِنْ نَارٍ .. بخرج من مصدر في تدفقه مرتبط ببعضه البعض ومترابط مُتَحَكم بأطرافها فلا تسمح بقطع صلتها بحالة الجمع والضم والتداخل المتتالي لتلك النار فلا تنفصل ولا ينكسر تدفقها فتحافظ على الرابطة حتى لو بأدنى علاقة فتكون على تلك الحالة من أنواع النار الأنشط والأكثر تأثيراً والأوضح والأقوى والأعجب والأغرب

جٍ : مَارِجٍ مِنْ نَارٍ .. من أنواع النار  جامع لمكونات متفرقة متتالية من النار ليصير واحداً كجسم واحد حيث يكون له قوة ترابط الجسم ظاهرياً في أشد حالاته قوةً وجلاءً ناتج تكتل اجتماع كميات متدفقة من النار فتكون كياناً جامعاً جاسراً نازعة لنقائها  عن مصدرها نافرة عن هذا الأصل تخرج في أشد حالاتها اجتماعا واكتمالاً وقوة
===========

ولعلهم أيضاً اقتربوا من المعنى حين قالوا عنه النار المختلط بعضه ببعض  ومن الأمثلة الدنيوية للمارج من نار ماكينات لحاكم الأكسجين ونوعية النار التي تخرج منها هي أقوى أنواع نار السموم .. والكتلة النارية المركزة والقوية التي تخرج منها هي مارج من نار حيث تصبح لها كينونة نتيجة تداخلها وسرعة تدفقها يمكن قطع الحديد بها

ومن أمثلتها الدنيوية النار الناتجة عن ماكينات لحام الأكسجين وغيرها التي تكون بها أكبر ضغط لمصادر النار وتسريع لتدفق تلك المصادر منتجة لهذا النوع الحاد من النار