القائمة الرئيسية

الصفحات

 


ليلٌ يسكن… ووجعٌ يستيقظ

حين يسكن الليل، تهدأ المدن وتخفت الأصوات، لكن في داخل كل إنسان تبدأ حركة صاخبة لا تُرى. الليل لا يوقظ الجسد، بل يوقظ الوجع الراقد في الأعماق. في تلك اللحظات، يُسائل المرء نفسه: من أين جاء هذا الألم؟ وأين الدواء؟ فيبحث بعقله فلا يجد إلا حيرة، ويسأل جسده فلا يجيبه إلا بأنين الصمت. يلتفت إلى قلبه وفؤاده، فيراهما متناقضين بين رجاءٍ ويأس، بين شوقٍ وخوف، فلا يسعفه ذكاؤه ولا حيلته.

البعد الفلسفي

الليل في جوهره امتحان وجودي. إنه يعيد الإنسان إلى ضعفه الأول، ويُسقط عنه أقنعته التي يرتديها في النهار. بالنهار يشغله العمل، الناس، الأدوار الاجتماعية، فيخدع نفسه بأنه قوي. لكن الليل يُعرّيه من كل ذلك: يضعه أمام ذاته، أمام أسئلته المؤجلة، وأمام وجعه الذي لا يشفى بالدهاء. الليل يكشف أن الحقيقة ليست في العقل وحده ولا في الجسد وحده، بل في الصراع الذي يسكن القلب والروح.

البعد الواقعي والإنساني

وليس غريبًا أن كثيرًا من البشر يشتد عليهم الحزن ليلًا. فالوحدة تتضاعف حين يخفت الضجيج، والذكريات تهاجم حين لا يجد العقل ما يشتت انتباهه. في ليلٍ هادئ، يستيقظ القلق على المستقبل، ويشتد الندم على الماضي، وتتكاثر الأسئلة التي تهرب منها في النهار. لهذا، يلجأ بعض الناس إلى السهر المفرط، أو إلى شاشات الهواتف، أو حتى إلى العمل المتواصل، فقط لئلا يتركوا الليل يضعهم أمام مرآة أرواحهم.

الليل كمعلم

لكن لليل جانبًا آخر، لا يراه إلا من يتقبّل المواجهة. فهو ليس مجرد ساحة للألم، بل فرصة للصفاء. في صمته تُولد الأفكار، وفي عزلته يكتشف الإنسان صدقه، وفي ظلمته يدرك قيمة النور. كثير من الشعراء والمفكرين لم يجدوا إلهامهم إلا في ساعات الليل العميق، حين انكشفت لهم أسرار لم يكن للنهار أن يبوح بها. الليل يربّي فينا القدرة على الإصغاء، تلك القدرة التي نفتقدها في صخب النهار.

الدواء الخفي

إذا كان الليل يكشف المرض الكامن، فهو أيضًا يلمّح إلى الدواء. العلاج ليس في الهروب، بل في مواجهة النفس. أحيانًا يكون الدواء في البوح، في الصلاة، في الكتابة، في لحظة صدق مع صديق، أو في دمعة صامتة تُخفّف عن القلب. وأحيانًا يكون الدواء في الرضا؛ أن يقبل الإنسان ضعفه، فيكتسب قوةً جديدة.

خاتمة

الليل ليس عدوًا ولا صديقًا مطلقًا، إنه امتحان. من قاومه بالهروب ازداد ألمه، ومن واجهه بالصدق وجد فيه نورًا يرشده. إنه المرآة التي لا ترحم، لكنه أيضًا المعلم الذي لا يكذب. وهكذا، حين يسكن الليل، لا بد أن نمتلك الشجاعة لنوقظ وعينا قبل أن يوقظ هو وجعنا.

تعليقات