الأقدار الخفية: حين يكون الابتلاء عين الرحمة
قد يظن الإنسان أن القدر الذي نزل به جاء مخالفًا لرغبته، وربما يقاومه قلبه أشد المقاومة، لكنه في الحقيقة لا يخرج عن كونه خيرًا من عند الله، وإن تنوعت صور هذا الخير. قال تعالى:
﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
وقد جسّد القرآن هذه الحقيقة في قصة العبد الصالح مع موسى عليه السلام في سورة الكهف، حيث انكشف لنا أن ما بدا مصيبة كان رحمة، وما حسبه الناس شرًا كان عين الخير. ويمكن أن نفهم هذه الأقدار في ثلاثة وجوه رئيسية:
أولاً: قدر يكشف عن رحمة خفية بعد زمن
يشبه خرق السفينة الذي قام به العبد الصالح. ظن أهلها أن مصيبتهم عظيمة وقد خسروا مورد رزقهم، لكنهم ما لبثوا أن اكتشفوا أن هذا الخرق اليسير كان سبب نجاتهم من اغتصاب ملك جائر يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا.
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: 79].
وهذا النوع من القدر هو الذي يظنه الإنسان مصيبة، لكنه يرى بعينه بعد حين أنه كان رحمة مؤجلة ونجاة من بلاء أعظم.
ثانياً: قدر يبقى الإنسان يظنه مصيبة طوال حياته
كقتل الغلام الذي رآه موسى عليه السلام جريمة، بينما كان في الحقيقة رحمة لوالديه المؤمنين. فقد كان الغلام سببًا في شقاء روحي وعقوق، ولو عاش لأرهق والديه طغيانًا وكفرًا، فأراد الله أن يستبدلهما بنعمة أعظم: ولد صالح أزكى وأقرب رحمة.
﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: 80-81].
وهذا هو القدر الذي يحياه الإنسان ويظل يظنه مصيبة حتى وفاته، لأنه يرى ما فقده ولا يرى ما حُفظ عنه. فقد يخسر مالًا أو بيتًا أو ابنًا أو مكانة دنيوية، فيظل قلبه يظن أن الخير قد ضاع، بينما الحقيقة أن الله أبعد عنه شرًا عظيمًا لم يدركه.
ثالثاً: قدر لا يُكشف سره في الدنيا أبداً
وهو أشبه ببناء الجدار الذي أقامه العبد الصالح، ظاهره مشقة ومصيبة بلا مردود، لكنه كان في الحقيقة صونًا لحقٍّ مدخر لغلامين يتيمين حتى يبلغا أشدهما.
﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ [الكهف: 82].
وهذا هو النوع الأعجب من الأقدار: نعمة مدخرة لا يراها الإنسان أبدًا في حياته، ولا يعلم أن رزقه قد تأجل لحكمة بالغة، فيعيش ويموت دون أن يعرف سر التدبير الإلهي.
الخلاصة: كل قدر خير
إن الأقدار التي تبدو لنا ضد رغبتنا لا تخرج عن ثلاثة:
-
قدر يُكشف سره عاجلاً فنحمد الله عليه.
-
قدر نظنه مصيبة أبدًا لكنه في علم الله رحمة خفية.
-
قدر مدخر لا يُكشف سره إلا عند الله وهو أعظمها غموضًا.
فالمؤمن حين يتعامل مع الأقدار على أنها كلها خير، يطمئن قلبه ويجد السكينة. قال تعالى:
﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11].
فالرضا بالقضاء ليس استسلامًا سلبيًا، بل يقين بأن وراء كل ستار حكمة ورحمة، حتى وإن خفيت عن أعيننا في الدنيا.
تعليقات
إرسال تعليق