القائمة الرئيسية

الصفحات

المخدوع: حين يُسلم قلبه لبطلٍ من ورق

 

المخدوع: حين يُسلم قلبه لبطلٍ من ورق

المخدوع ليس ضعيفًا كما يظن البعض، بل غالبًا ما يكون إنسانًا نقيًّا، صادق النية، يبحث عن الأمل وسط واقعه المرهق. حين يظهر أمامه شخص يتقن فن الكلام، ويقدّم نفسه بطلًا، يصدّقه لأنه يريد أن يصدّق. فالحاجة إلى الأمل قد تكون أقوى من الحاجة إلى الحقيقة.

البعد النفسي

المخدوع يعيش حالة من "الإسقاط النفسي": يرى في البطل المزيف ما يتمناه في داخله. فإذا كان يبحث عن سند، صدّق أنه وجده؛ وإذا كان يتمنى من يقوده نحو الخلاص، آمن أن هذا هو المُخلّص. لا يتعلق الأمر بالكذب وحده، بل برغبة داخلية في إيجاد إجابة سهلة للوجع. وهنا يصبح عقل المخدوع شريكًا في المسرحية، يغضّ النظر عن الشكوك، ويبحث عن أي دليل يؤكد له ما يريد أن يراه.

البعد الاجتماعي

المخدوع ليس فردًا فقط، بل قد تكون جماعة أو مجتمعًا كاملًا. حين يعيش الناس تحت ضغط الأزمات، يزداد استعدادهم لتصديق من يقدّم لهم وعودًا زائفة. ولذلك نرى سياسيين يملؤون الدنيا خطبًا، ورجال دين أو فكر يصوّرون أنفسهم مُنقذين، والجماهير تصدّق لأن التصديق أسهل من مواجهة الواقع المر. وهكذا يصبح الخداع متبادلًا: المخادع يحتاج لتصديق الآخرين ليستمر، والمخدوع يحتاج إلى الوهم كي لا يسقط في اليأس.

البعد الفلسفي

الخداع يضع الإنسان أمام معضلة وجودية: هل نفضل الحقيقة المؤلمة أم الوهم المريح؟ كثيرون يختارون الوهم، لأنه يمنحهم شعورًا مؤقتًا بالطمأنينة. لكن الحقيقة المؤجلة لا تختفي، بل تعود أقسى وأشد وقعًا. وهكذا يكون المخدوع قد ضاع مرتين: مرة حين صدّق، ومرة حين اكتشف أنه ضُحك عليه.

الدرس العميق

المخدوع يحتاج إلى وعي يحميه من الانزلاق في هذا الفخ. الوعي لا يعني الشك الدائم في الناس، لكنه يعني التحقق: أن تقيس الكلام بالفعل، والوعود بالإنجاز. أن تُبقي مساحة للشك البنّاء الذي يحميك من الانبهار الأعمى. فالمخادع لا يملك قوته من نفسه، بل من قابلية الآخرين لتصديقه.

خاتمة

المخدوع ليس مذنبًا، لكنه مسؤول عن أن يتعلم. فالحياة تُعلّمه أن البطولة لا تُقاس بالكلمات، وأن الأمل الحقيقي لا يحتاج إلى أقنعة. والجرح الذي يتركه البطل المزيف قد يكون مؤلمًا، لكنه أيضًا معلمٌ قاسٍ يدفعنا لنميز بين الوهم والصدق، وبين أبطال الورق وأبطال الحقيقة.


تعليقات