القائمة الرئيسية

الصفحات

الأقنعة الملوَّنة: حين يختبئ الفساد خلف البطولة والرحمة والعبادة



الأقنعة الملوَّنة: حين يختبئ الفساد خلف البطولة والرحمة والعبادة

في معترك الحياة العامة، لا يواجه الإنسان الفساد في صورته العارية فحسب، بل كثيرًا ما يُقدَّم له في ثوبٍ مزخرف يخدع العيون. الفاسد الحقيقي لا يكتفي بارتكاب أفعاله في الخفاء، بل يتقن فن التمويه، فيُقدِّم نفسه للناس على هيئة بطل أو قديس. وهنا تكمن المأساة: أن ينخدع المجتمع بالقناع وينسى الوجه الحقيقي.


فالفاسد نادرًا ما يظهر في صورته الحقيقية؛ لأنه يدرك أن الناس بالفطرة ينفرون من القبح، ويبحثون عن القدوة والقداسة. لذلك يرتدي الأقنعة، يتزيّن بثوب المجاهد، أو المساعد، أو العابد، ليُخفي وراءها وجهًا يضمر المصلحة والأنانية.


الفاسد في قناع المجاهد

يتزيّن به الفاسد ليظهر بمظهر الحامي، فيتحدث بلغة التضحية والشجاعة، بينما لا يسعى إلا لحماية مصالحه الخاصة. يفتعل المعارك ليغطي على صفقاته، ويُشعل الصراعات ليظل في الصدارة. المجاهد المزعوم لا يقاتل إلا من أجل سلطته، ولا يعرف من الجهاد إلا شعاراتٍ تستهوي الجماهير.


فيُطل على الناس بوجه الشجاعة، يتحدث بلغة التضحية والفداء، ويزعم أنه يقف على جبهة الحق. لكن معارك "المجاهد المزيف" غالبًا ما تكون مصنوعة، يستغلها ليثبت سلطانه، ويُسكِت خصومه. في السياسة والإعلام مثلًا، نرى من يتحدث باسم الوطن أو الدين، بينما هو يسعى لتأمين مكاسبه الخاصة. إنه لا يجاهد من أجل قضية، بل يجاهد ليبقى في الصورة.


الفاسد في قناع المساعد

هذا الوجه أكثر قربًا من الناس، لأنه يُقدِّم نفسه نصيرًا للضعفاء، حاميًا لآمال البسطاء. غير أن المساعدة عنده مشروطة، غايتها ربط الآخرين بجميله. يتحول العطاء إلى شبكة ولاءات: يُوزع الخدمات ليشتري الصمت، ويمد يده بالخير ليُخفي سرقة أكبر. في حياتنا اليومية نرى هذا النمط في المسؤول الذي يقدّم حلًا لمشكلة هو نفسه سببها، ثم يتباهى بأنه المنقذ.


فهو الأشد خداعًا. يرتديه الفاسد ليُظهر نفسه نصيرًا للضعفاء، يسعى إلى خدمة الناس وحلّ مشكلاتهم. لكنه في العمق لا يساعد إلا بما يضمن ولاء الآخرين له، فيحوّل العطاء إلى وسيلة للسيطرة، ويحوّل المساعدة إلى شبكة خفية من المصالح والديون المعنوية. إنه يشتري القلوب بالابتسامة واليد الممدودة، لكنه لا يقدّم عونًا صادقًا.


الفاسد في قناع العابد

ويأتي قناع العابد، الذي يلبسه الفاسد ليحصّن نفسه ضد النقد. يتظاهر بالتقوى، يرفع راية الورع، ويُكثر من الكلمات الدينية، ليجعل من ذاته قدوة روحية لا تُمس. لكن عبادته لا تتجاوز حدود الرياء، غايتها كسب الاحترام الزائف، وحجب حقيقة طمعه وجشعه. هنا يتحوّل الدين نفسه إلى أداة تبرير، بدلًا من أن يكون رادعًا للفساد.



فهو الأكثر خطورة، لأنه يختبئ خلف الدين أو الأخلاق. يتزيّا بالورع، يرفع صوته بالدعاء، ويُكثر من المظاهر التعبدية ليصنع لنفسه هالة من القداسة. هنا يصبح نقده شبه مستحيل، فكل من يعترض عليه يُصوَّر كأنه يعترض على الدين نفسه. في الحقيقة، عبادته لا تتجاوز مظهرها، هدفها حماية فساده وتلميع صورته، لا تزكية نفسه ولا صلاح مجتمعه.


بين الوهم والحقيقة

فلسفيًا، هذه الأقنعة تكشف عن هشاشة الإنسان أمام الوهم. الناس غالبًا لا يبحثون عن الحقيقة في جوهرها، بل عن صورة تمنحهم الطمأنينة. ولهذا يتسلل الفاسد بينهم متقمصًا أدوارًا يحبونها: البطل، المعين، الزاهد. المشكلة ليست في القناع وحده، بل في استعداد المجتمع لتصديقه، وفي ميل البشر إلى تصديق ما يريحهم أكثر مما يواجههم بالحقائق المرة.


لكن أخطر ما في هذه الأقنعة أنها تُربك الوعي العام. فحين يختلط الفساد بالجهاد، والمصلحة بالمساعدة، والرياء بالتقوى، ينهار ميزان القيم في المجتمع. يصبح الناس عاجزين عن التمييز بين الصادق والكاذب، ويغدو الفاسد محصنًا بمسرحيته الكبرى.


السقوط الحتمي

لكن، كما هو شأن كل مسرحية، لا بد أن يسقط الستار. فالقناع مهما كان محكمًا لا يصمد أمام مرور الزمن، إذ تُفضح النوايا في المواقف الحرجة، وتنفضح الأفعال حين تختبرها الأزمات. والمجتمع الذي يتسلّح بالوعي والنقد لا يترك للأقنعة فرصة طويلة للبقاء.


فمهما طال المشهد، لا بد أن يسقط القناع. فالزمن كاشف، والأزمات تمتحن النوايا، والناس في النهاية تكتشف أن البطولة كانت استعراضًا، والمساعدة كانت ابتزازًا، والعبادة لم تكن إلا ستارًا. التاريخ مليء بأمثلة لزعماء ووجهاء تقنّعوا بكل هذه الصور، لكنهم سقطوا أمام حقيقة واحدة: أن الفساد لا يعيش إلى الأبد.


إن أخطر ما يمكن أن نرتكبه نحن كمجتمع هو أن نُسلّم عقولنا للأقنعة دون فحص، وأن نُصفق للشعارات دون اختبار، وأن نسمح للمسرحية أن تُدار على حساب وعي الأجيال. لذلك، تظل المسؤولية فردية وجماعية: أن نجرؤ على النظر خلف القناع، وأن نميّز بين من يعمل حقًا ومن يتاجر بالشعارات، بين من يعبد الله سرًا ومن يستغله جهرًا.


إن مسؤولية كشف هذه الأقنعة تقع على كل فرد: أن يتعلّم النظر خلف الخطاب البراق، وأن يميّز بين من يخدم الناس حقًا ومن يتاجر بآلامهم، وبين من يعبد الله سرًا ومن يستغل اسمه جهرًا. فالأمة التي ترى ما وراء القناع لا يمكن أن تُستَغل طويلًا.

تعليقات