الحقيقة الموءودة والكذبة المتوَّجة: حين يصبح الوهم يقينًا
في زمنٍ تتلاطم فيه أمواج التضليل، تبدو الحقيقة وكأنها طريدة هائمة، لا تجد من يصغي إليها، بينما يتصدّر الكذب المنابر ويتحوّل إلى يقين راسخ في عقول الجماهير. نحن نعيش اليوم في عصر غريب تتبدّل فيه الأدوار: تُحاصر الحقيقة بالتشكيك والتشويه، ويُكفَّر بها كأنها جريمة أخلاقية أو فكرية، بينما يُرفع الكذب على الأعناق ويُقدَّم باعتباره الطريق الوحيد للفهم والتفسير.
في مسرح الوجود، تبدو الحقيقة كجوهرةٍ مطموسة في التراب، يزدريها الناس لأنها تتطلّب جهدًا لاستخراجها وصبرًا لفهمها، بينما يتزاحمون على بريق زائف يلمع أمام أعينهم في صورة كذبةٍ مصنوعة بعناية. هكذا تنقلب الموازين: يصبح الاعتراف بالحقيقة ضربًا من الجنون أو الكفر، بينما يغدو الكذب دينًا جماعيًا يتعبد الناس في محرابه
الحقيقة في جوهرها مرّة، تفكّك الأوهام وتواجه الإنسان بضعفه وتناقضاته. ومن طبيعة البشر أنهم يهربون من المرآة التي تفضحهم إلى ستارةٍ تخفي قبحهم. هنا يولد الكذب، ليس فقط كخدعة خارجيّة، بل كآلية دفاع داخليّة تريح الضمير من ثقل الاعتراف. وحين يتكرّر هذا الهروب، يتجذّر الكذب ليصبح "اليقين المريح" الذي يوفّر للناس سلامًا زائفًا.
الحقيقة في جوهرها ثقيلة، فهي تحتاج إلى عقلٍ حرّ وبصيرة صافية لتُدرك، أما الكذب فهو سهلٌ وسريع، يتغذّى على رغبات الناس ومخاوفهم، فيقدّم لهم الوهم كأنه طوق النجاة. وهكذا تنشأ معادلة مشوّهة: يهرب الناس من صعوبة مواجهة الحقيقة إلى دفء الكذبة التي تمنحهم راحة مؤقتة، لكنها في الحقيقة تُعمّق ضلالهم وتقيّد وعيهم.
إن خطورة المشهد لا تكمن في وجود الكذب فحسب، بل في تمكّنه من صياغة الواقع. الكذبة حين تتكرّر تتحوّل إلى ما يشبه "العُرف الاجتماعي"، تحكم لغة الناس، تحدّد معايير الصواب والخطأ، بل وتعيد تشكيل ذاكرة الجماعة. وهنا يصبح حامل الحقيقة غريبًا، كأنه القادم من زمن آخر، يُنظر إليه بريبة وعداء، لأنه ببساطة يهدّد النظام المستقر على الوهم.
والخطير أن الكذب حين يُكرَّر يصبح حقيقة اجتماعية، تحكم السلوك والقرار والوعي الجمعي، بل وتُبنى عليها مؤسسات وأحداث كبرى. عندها يُنظر إلى من يتمسّك بالحقيقة وكأنه خارج عن الإجماع، بل وربما يُتهم بالجنون أو الخيانة. وهنا يبلغ المشهد قمّته المأساوية: الحقيقة تُدفن، والكذبة تُتَوج ملكةً على العقول.
لكن التاريخ يعلّمنا أن الحقيقة، مهما حوصرت أو سُجنت، تظل عصيّة على الموت. قد تُغَيَّب، وقد تُشوَّه، لكنها لا تفقد قدرتها على البعث والانبعاث. فالزمن كفيل بفضح الوهم، والكذب مهما اتسع، يبقى هشًّا أمام اختبار الواقع. إن ما يُبنى على باطل لا بد أن ينهار، وما يُغرس في أرض الحقيقة لا بد أن يُثمر، ولو بعد حين.
فالحقيقة لا تموت. قد تُحاصر وتُطمر تحت ركام الضجيج، لكنها تحتفظ بقدرتها على العودة، مثل بذرة صامتة تنتظر المطر. التاريخ مليء بأمثلة لأكاذيب صمدت عقودًا بل قرونًا، لكنها انهارت أمام لحظة كشف واحدة. فالوهم لا يملك جذورًا عميقة، مهما تمدّد، بينما للحقيقة جذور ضاربة في عمق الوعي الإنساني، لا تنفصل عن فطرة البحث عن النور.
إن أخطر ما نواجهه ليس الكذب ذاته، بل قابلية العقول لتصديقه، واستعداد المجتمعات لتبنّيه بديلاً عن الحقيقة. وهنا تكمن مسؤولية كل فرد: أن يحرس وعيه، وأن يتعلّم فن الشك الصحي، وألّا يسلّم عقله لسطوة الرواية الجاهزة. فالحقيقة لا تُمنح، بل تُكتشف، والكذب لا يسقط إلا حين نجرؤ على النظر وراء الواجهة المزيّفة.
المسؤولية الكبرى هنا تقع على الفرد: أن يدرك أنّ الحقيقة ليست ما يقال له، بل ما يُكتشف بالعقل والتأمل والجرأة على التساؤل. الكذب يعيش فقط بقدر ما نمنحه نحن من تصديق، أما الحقيقة فهي صامتة لكنها صلبة، تنتظر من يملك شجاعة رفع الغطاء عنها.
وهكذا، يصبح السؤال الذي يواجه كل إنسان: هل أستسلم لليقين المزيّف الذي يهبني راحة مؤقتة، أم أتشبّث بالحقيقة مهما كانت مؤلمة؟ الجواب ليس نظريًا، بل هو ما يرسم مصير الأفراد والمجتمعات على حد سواء
تعليقات
إرسال تعليق