القائمة الرئيسية

الصفحات

أبطال من ورق: حين تُبنى الأحلام على الأكاذيب

 


أبطال من ورق: حين تُبنى الأحلام على الأكاذيب

في حياة كل إنسان قد يظهر شخص يقدّم نفسه بطلًا، يملأ الأفق بوعوده، ويشيّد القصور في الخيال، لكنه لا يترك في الواقع سوى فراغٍ كبير. إنه البطل المزيف، الذي يعيش على الحكايات أكثر مما يعيش على الأفعال. يقتحم وعيك بكلماتٍ رنانة، يصنع لنفسه هالة زائفة، حتى تكاد ترى فيه ما ليس موجودًا أصلًا.

البعد الفلسفي

البطل الحقيقي هو من تتجسد أقواله في أفعاله. أما البطل المزيف، فهو انعكاسٌ لرغبتنا في الهروب من صعوبة الحقيقة. نحن نصدّقه لأننا نحتاج إلى من يزرع فينا الأمل، حتى لو كان أملًا كاذبًا. في عمق الأمر، نحن شركاء في الوهم: هو يتحدث، ونحن نؤمن بما نسمع. بذلك تتحول الأكاذيب إلى مسرحية يتقاسم بطولتها الطرفان، لكنها مسرحية لا تصمد أمام اختبار الواقع.

البعد الواقعي والاجتماعي

كم نرى في السياسة من قادة يقدّمون أنفسهم أبطالًا، يطلقون وعودًا عظيمة عن التغيير والإنجاز، بينما الواقع يفضح خواءهم. وكم نرى في حياتنا اليومية صديقًا أو زميلًا يحدّثنا عن مشاريع، وأفكار، وانتصارات، لكنها تبقى كلامًا لا يتحقق. حتى في العلاقات الإنسانية، قد يتقمص أحدهم دور "العاشق المخلص" أو "المُنقذ"، بينما أفعاله لا تعكس إلا أنانية صريحة. هؤلاء لا يعيشون بطولة حقيقية، بل يقتاتون على تصديق الآخرين لهم.

البعد النفسي

البطل المزيف يحتاج جمهوره، لأنه من دونهم لا وجود له. هو في حقيقته هش، يهرب من مواجهة ضعفه باختراع بطولة من خيال. وحين يجد من يصدقه، يزداد تورطًا في كذبه، فيغدو أسيرًا لدورٍ لا يستطيع أداءه. هكذا يُعاقَب هو أيضًا بوهمه، لكن الأشد قسوة أن يُعاقَب من صدقه بخيبةٍ وكسرة أمل.

الدرس والوعي

الحلم جميل، لكنه يصبح خطرًا حين يُبنى على كلمات بلا أفعال. من حقنا أن نحلم، لكن واجبنا أن نتحقق: هل ترجمت الوعود إلى إنجازات؟ هل تحوّل الكلام إلى أثر ملموس؟ الوعي هو السياج الذي يحمي الإنسان من الوقوع في فخ البطولة الزائفة. إن الميزان الوحيد هو الفعل، وكل ما عداه وهم مؤقت.

خاتمة

البطل المزيف قد يسكن خيالنا، لكنه لا يستطيع أن يسكن الواقع. الأبطال الحقيقيون لا يحتاجون إلى خطب طويلة ولا أكاذيب مزخرفة؛ يكفي أثرهم ليشهد لهم. أما أولئك الذين يحقّقون أحلامهم في خيالنا فقط، فلا يتركون وراءهم إلا خيبةً تُعلّمنا أن البطولة ليست في القول، بل في العمل، وليست في الحلم المجرد، بل في القدرة على تحقيقه.


تعليقات