القائمة الرئيسية

الصفحات

السؤال الأعمق: ما هي رسالتك في هذه الدنيا؟

 


السؤال الأعمق: ما هي رسالتك في هذه الدنيا؟

كثيراً ما ينشغل الإنسان بالسؤال: ماذا أريد من هذه الدنيا؟
سؤال يبدو بديهيًا، لكنه في الحقيقة ليس هو لبّ القضية.

فالإنسان منذ مولده يجد من حوله – والديه أولاً – يرسمون له الطريق. الأب والأم يتمنون لابنهم النجاح في الدراسة، الوظيفة المرموقة، الزواج المستقر، الذرية الصالحة، والسير في قطارات الحياة المعتادة. إنهم يصوغون له قالبًا دنيويًا متميزًا يعتقدون أنه الطريق الأمثل للسعادة.

لكن من يعجز عن تحقيق هذا "القالب" الذي أراده له أبواه، قد يجد نفسه يعيش في تعاسة أو شعور بالفشل، لأنه لم يستطع أن يحقق لهم ما أرادوه، ولم يحقق لنفسه ما تمناه.

وفي جانب آخر، قد يجد الإنسان من يوجّهه نحو الدين – مذهبًا كان أو عقيدة – فيحاول أن يلبس القالب الذي يُراد له، وقد ينجح أو يفشل. وربما يجد في الدين قداسة تجذب قلوب الناس إليه، فيسحبه ذلك الشعور شيئًا فشيئًا حتى يجعل الدين وسيلة لمكانة دنيوية، دون أن يشعر أن قداسة الدين ليست لذاته، بل أصبحت وسيلة ليعلو بين الناس. وهنا تتحول العبادة من مقصدها لله إلى ابتغاء دنيا. قال تعالى:

﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: 15].

ومع ذلك، يظل الأفق مشدودًا إلى الدنيا في معظم الأوقات، حتى أن الإنسان يغدو عالقًا بين حسرة على ما فات وخوف مما هو آت.

  • الغني يتحسر على مكاسب فاتته، ويخاف أن يخسر ما لديه.

  • الفقير يتحسر على ما لم ينله، ويخاف أن يظل فقيراً إلى الأبد.

  • المريض يتحسر على ما ضاع من صحته، ويخاف أن يفقد ما تبقى منها.

وهكذا يظل الإنسان أسير دائرة الحسرة والخوف.

الدنيا بين ثلاث تفاحات

الدنيا في حقيقتها تشبه ثلاث تفاحات:

  • الأولى تفرح بطعمها.

  • الثانية تقل حلاوتها لكنك تحاول أن تستفيد منها.

  • الثالثة تسأم منها وأنت تكملها بغير رغبة.

فلا سعادة حقيقية في الدنيا، لأن السعادة التي نبحث عنها لا تكتمل إلا في الجنة. أما ما نسميه سعادة في الدنيا فهو مجرد محاولة لإقناع الذات بزيادة دائمة لا تتحقق. ولأجل ذلك يسعى الناس لتراكم المتعة فوق المتعة حتى يصلوا إلى الانحراف عن الفطرة. قال تعالى:

﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الحديد: 20].

ولا يحق للإنسان أن يفرح بالدنيا فرح كبر واختيال، فيصبح عبدًا لما أُوتي لا عبدًا لمن آتاه. قال تعالى:

﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: 23].

الفطرة والحرية

الفطرة أن يفرق الإنسان بين الحق والباطل، فيطوّع نفسه للحق ويطوقها به حتى يتقن هذه الفطرة.
والحرية الحقيقية ليست أن يفعل الجسد ما يريد، بل أن تقود النفس جسدها فتسوده على شهواته. أما من ترك الجسد أسيرًا لشهواته فقد صار عبدًا لها.

ومن هنا تأتي السكينة: تلك الحالة التي تتجلى حتى في أحلك المواقف.

  • قد يكون إنسان تحت مطاردة طائرة مسيّرة، تصيبه، لكنه يأبى إلا أن يسجد لله قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.

  • وقد يكون آخر أمام رشوة يتهافت عليها الناس جميعًا، فيرفضها بثبات لأنه استخرج أنقى ما في نفسه.

السكينة إذن هي استخراج أنقى حالات النفس وإتقان تنقيتها، وهي ما غفلنا عنه في سباقنا على الدنيا. قال تعالى:

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].

القضية في السؤال

القضية ليست فقط:

  • ماذا أريد من هذه الدنيا؟

  • ولا ماذا تريد الدنيا مني؟

بل القضية الحقيقية: ما هي رسالتي في هذه الدنيا؟

إن الجواب يكمن في الأرض التي تعطي الزرع، ومن يأكل من هذا الزرع. كل واحد منا يزرع:

  • إما شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

  • أو شجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.

قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: 24-26].

إن أبناءك، وأهلك، ومجتمعك، وأجيالاً قادمة ستأكل من شجرتك، فكن واعياً لما زرعت: هل هو عمل متقن مبارك، أم فساد يورثه من بعدك؟

وهنا ندرك أن الرسالات السماوية أُرسلت لهداية البشر، لكن في المقابل هناك رسالات دنيوية يحملها أصحاب السكينة الذين أتقنوا زراعة شجرتهم.

الخلاصة

إن السؤال الأعمق ليس: ماذا أريد من هذه الدنيا؟ ولا: ماذا تريد الدنيا مني؟
بل: ما هي رسالتي التي أزرعها في دنياي لتبقى من بعدي؟

كيف تكتشف رسالتك في الدنيا؟

إن إدراك الرسالة ليس ترفًا فكريًا، بل هو غاية وجود الإنسان. قال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].

لكن العبادة لا تعني الشعائر فقط، بل تعني عمارة الأرض بالحق، وإتقان العمل، وإصلاح ما أفسد الناس، وتحقيق العبودية لله في كل حركة وسكنة. ومن هنا يمكن للإنسان أن يحدد رسالته عبر خطوات عملية:

  1. العودة إلى الفطرة: أن يسأل نفسه بصدق، بعيدًا عن أصوات المجتمع والأهل والتقاليد: ما الذي يرضي الله في حياتي؟ وما الذي يترك أثرًا نافعًا للناس من بعدي؟

  2. التأمل في النعم والقدرات: فلكل إنسان موهبة أو قدرة أودعها الله فيه، وهي ليست للزينة، بل أداة لتحقيق الرسالة. قال تعالى:

    ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77].

  3. اختبار الأثر: رسالتك الحقيقية ليست فيما تأخذه، بل فيما تعطيه. فإذا وجدت عملًا يترك أثرًا نافعًا في الآخرين ويقربك من الله، فاعلم أن جذور شجرتك تمتد في الأرض بقوة.

  4. الصبر والمداومة: فالرسالة لا تُنجز في يوم وليلة، بل تحتاج إلى صبر طويل واتقان دائم. قال تعالى:

    ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: 127].

  5. الارتباط بالآخرة: لأن كل رسالة دنيوية تنتهي بزوال صاحبها، أما الرسالة المتصلة بالله فهي التي تثمر في الدنيا ويُجزى صاحبها في الآخرة.


الختام

إذن، سؤالك الأعمق ليس: ماذا أريد من الدنيا؟ ولا: ماذا تريد الدنيا مني؟
بل: ما هي رسالتي التي أحقق بها عبوديتي لله وأورث بها أثرًا نافعًا للأجيال؟

حين تجيب عن هذا السؤال بصدق، ستحيا وأنت مطمئن القلب، راضي النفس، لأنك زرعت شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

تعليقات