مقدمة
يثير التفاوت الواضح بين كثرة ذكر فرعون في القرآن وقلة تكرار العبادات سؤالًا جوهريًا:
هل يعكس هذا التفاوت أولوية مقصودة في الخطاب القرآني؟
ينطلق هذا المقال من فرضية أن القرآن لا يقدّم سردًا تعبديًا فحسب، بل يؤسس وعيًا سياسيًا أخلاقيًا، وأن تكرار فرعون هو أداة منهجية لكشف بنية الطغيان وتحصين المجتمع من إعادة إنتاجه.
أولًا: القرآن بين العبادة وإدارة الواقع
العبادات في القرآن تُذكر بوظيفتها التأسيسية لعلاقة الفرد بالله، وتُنقل أساسًا بالممارسة والقدوة. أما قضايا السلطة، فخطرها جمعيٌّ بنيوي؛ إذ لا تُفسد فردًا فقط، بل تُشوّه الدين والعدالة والعمران معًا.
من هنا، يتجه الخطاب القرآني إلى تشريح السلطة المنحرفة أكثر من الإكثار من وصف الشعائر، لأن الخلل السياسي إذا ترسّخ أفسد كل ممارسة لاحقة، بما فيها العبادة.
ثانيًا: فرعون ليس حدثًا تاريخيًا
يعرض القرآن فرعون بوصفه نموذج حكم لا اسمًا تاريخيًا. لا يهم من كان فرعون أو متى حكم، بل كيف حكم.
هذا التجريد المقصود ينقل فرعون من كونه شخصية منقضية إلى بنية قابلة للاستنساخ، تتكرر متى توفرت شروطها: الاستعلاء، احتكار الحقيقة، صناعة الخوف، وتديين السلطة.
ثالثًا: الخطر السياسي مقابل الذنب الفردي
الذنب الفردي—ومن ذلك التقصير التعبدي—قابل للإصلاح الذاتي، وأثره محدود.
أما الطغيان السياسي فخطره تراكمي شامل:
يغيّر تعريف الحق والباطل
يربك الوعي الجمعي
يحوّل الطاعة إلى قيمة مطلقة
ويعيد تشكيل المجتمع على صورة الخوف
لذلك، يكرّر القرآن فرعون لا للتخويف، بل للتبصير.
رابعًا: التكرار كأداة بناء وعي
التكرار في القرآن ليس حشوًا، بل تقنية تعليمية وقائية.
يعاد عرض النموذج الفرعوني بزوايا متعددة: القول، الفعل، الخطاب، التحالفات، والمآلات. الهدف ليس الإدانة، بل تمكين القارئ من التعرّف المبكر على منطق الطغيان حين يتخفّى بثياب النظام أو الاستقرار.
خامسًا: السياسة بوصفها مجال ابتلاء
يضع القرآن السياسة في قلب الابتلاء الإنساني، لا على هامشه. فالسلطة اختبار أخلاقي جماعي:
هل تُدار بالقسط أم بالخوف؟
هل تُستمد شرعيتها من الحق أم من القوة؟
ذكر فرعون بهذا الكثافة يعيد توجيه البوصلة: أخطر الانحرافات هي تلك التي تُقنَّع بالنظام.
خلاصة
كثرة ذكر فرعون ليست مقارنة عددية مع العبادات، بل ترتيب أولويات وقائي.
العبادة تُبنى بالاقتداء،
أما الطغيان فلا يُفهم إلا بالتشريح المتكرر.
وبذلك، يقدّم القرآن أساسًا لوعي سياسي يحفظ الدين والمجتمع معًا.
المقال التالي:
من الشخص إلى البنية: فرعون كنموذج حكم
تعليقات
إرسال تعليق