القائمة الرئيسية

الصفحات

المقالة الرابعة: التنبؤ كقدر: عندما يُنزَع الفعل من الإنسان

 


أخطر ما يترتب على التنبؤ حين يتحول إلى أداة إدارة إدراك، أنه لا يكتفي بتهيئة الناس للحدث، بل يعيد تعريف علاقتهم به. فالحدث لا يُقدَّم بوصفه نتيجة قرارات بشرية قابلة للنقاش والمساءلة، بل بوصفه قدرًا متحققًا، أو مسارًا حتميًا لا فكاك منه. وهنا يحدث التحول الأخطر: نزع الفعل من الإنسان.


1. من التوقع إلى الحتمية

في البداية يُقال: قد يحدث.
ثم: من المرجح أن يحدث.
ثم: الجميع كان يعلم أنه سيحدث.

بهذا التدرج الهادئ، ينتقل الحدث من خانة الاحتمال إلى خانة الضرورة. ومع كل انتقال، تتراجع مساحة السؤال، ويضيق مجال الرفض.
فالإنسان لا يقاوم ما يراه اختيارًا، لكنه يستسلم لما يُصوَّر له كقانون كوني.


2. كيف يُصنع الإحساس بالقدر؟

الإحساس بالحتمية لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر:

  • تكرار الخطاب نفسه من مصادر متعددة،

  • ربط الحدث بخطابات كونية (دورات، أقدار، نهايات)،

  • إغفال الفاعل البشري في السرد.

النتيجة أن القرار السياسي أو الاقتصادي يفقد اسمه، ويُعاد تقديمه كـ“تطور طبيعي”.


3. التنبؤ ونقل المسؤولية

عندما يُقال إن الأزمة كانت “متوقعة منذ سنوات”، فإن السؤال عن:

  • من اتخذ القرار؟

  • من استفاد؟

  • من كان يمكنه المنع؟

يُعتبر سؤالًا ساذجًا أو متأخرًا.
وهكذا لا تُمحى المسؤولية فحسب، بل تُدان محاولة البحث عنها.


4. الحتمية كأداة ضبط

الحتمية هي الصيغة الأكثر كفاءة للضبط الاجتماعي.
فالإنسان الذي يعتقد أن ما يحدث لا يمكن تغييره:

  • لا يخطط للمواجهة،

  • لا يبني بدائل،

  • لا ينظم مقاومة.

بل ينشغل فقط بإعادة ترتيب حياته داخل الواقع المفروض عليه.


5. الالتقاء الخطير بين التنبؤ والتديين

في هذه المرحلة، يلتقي خطاب التنبؤ بخطاب ديني مُشوَّه، حيث تُخلط السنن بالحتميات، ويُستبدل العمل بالتسليم.
لكن الفرق جوهري:

  • السنن تحفّز الفعل لأنها مشروطة،

  • الحتمية تُلغيه لأنها مطلقة.

تحويل الحدث إلى قدر هو أخطر أشكال إفراغ الإنسان من دوره.


6. نحو استعادة الفعل

تفكيك هذه الحتمية يبدأ بإعادة طرح السؤال المحجوب:
ليس ماذا حدث؟ بل كيف ولماذا ومن قرر؟
طالما بقي هذا السؤال حيًا، لا تتحول التنبؤات إلى أقدار، ولا يُختزل الإنسان إلى متلقٍ سلبي.


تمهيد للمقالة القادمة

بعد نزع الفعل، يبقى السؤال:
هل توجد في الثقافة الدينية والفكرية أدوات تعيد للإنسان دوره دون إنكار السنن؟
الإجابة تقودنا إلى قراءة مختلفة للسياق القرآني، بعيدًا عن التوظيف التخديري.

يتبع: المقالة الخامسة — السياق القرآني: الفرق بين السنن والتسليم

تعليقات