الهدف
تحليل الكيفية التي ينتقل بها الطغيان من مرحلة النشوء إلى مرحلة الرسوخ، حيث لا يعود مجرد سلطة متغلبة، بل يتحول إلى بنية مستقرة يعاد إنتاجها اجتماعيًا ومؤسسيًا.
أولًا: سنة تطبيع القهر
أخطر مراحل الطغيان ليست لحظة القمع الأولى، بل لحظة الاعتياد.
في هذه المرحلة لا تُلغى الحقوق دفعة واحدة، بل يُعاد تعريفها. ما كان حقًا يصبح «امتيازًا»، وما كان استثناءً يصبح «ضرورة»، وما كان ظلمًا يصبح «إجراءً مؤلمًا لكنه لازم».
السنّة التاريخية هنا أن الإنسان يتكيّف أسرع مما يتوقع؛ ومع تكرار القهر دون مقاومة فعالة، يفقد المجتمع حساسيته الأخلاقية تجاهه. القهر لا يُنكر بعد ذلك، بل يُبرَّر.
ثانيًا: سنة تفكيك الجماعة
الطغيان لا يواجه المجتمع كتلة واحدة، بل يعمل على تفتيته.
تُعاد هندسة المجتمع إلى فئات متنافسة:
موظفون مقابل عاطلين، مدن مقابل أرياف، نخب مقابل عوام، «موالون» مقابل «مشكوك فيهم».
كل فئة تُمنح خوفًا خاصًا بها، أو مصلحة جزئية تدفعها للصمت.
السنّة هنا أن الاستبداد ينجح حين يفشل المجتمع في رؤية نفسه ككل واحد. فبانهيار التضامن، يصبح القهر فرديًا، بينما السلطة جماعية ومنظمة.
ثالثًا: سنة احتكار الحقيقة
بعد احتكار القوة، يأتي احتكار المعنى.
الطغيان الراسخ لا يكتفي بإسكات الأصوات، بل يعيد صياغة اللغة ذاتها:
النقد يصبح تشكيكًا.
المعارضة تصبح فوضى.
الطاعة تصبح وعيًا وطنيًا.
في هذه المرحلة لا يُقمع الرأي فقط، بل يُجرَّم التفكير خارج السردية الرسمية. والسنّة القرآنية والتاريخية هنا أن الاستبداد حين يحتكر تفسير الواقع، يصبح سقوطه مرتبطًا بانهيار هذه السردية لا بمجرد إزاحته سياسيًا.
رابعًا: سنة تحويل الخوف إلى ثقافة
الخوف في الطغيان الراسخ لا يعود مرتبطًا بحدث محدد، بل يتحول إلى حالة ذهنية عامة.
يتعلم الناس الرقابة الذاتية، ويُربَّى الأبناء على تجنب الأسئلة، وتُدار الحياة اليومية بمنطق «السلامة قبل الحقيقة».
السنّة المتكررة أن الطغيان يبلغ ذروة قوته حين لا يعود بحاجة إلى عنف كثيف؛ لأن المجتمع يقوم بالمهمة نيابة عنه.
الخلاصة
في مرحلة الرسوخ، لا يقوم الطغيان على الحاكم وحده، بل على شبكة من العادات، والخطابات، والمصالح، والمخاوف المتبادلة.
الاستثناء يصبح نظامًا، والقهر يصبح مألوفًا، والصمت يصبح فضيلة.
وهنا تحديدًا تنتقل الدولة الفرعونية من كونها سلطة ظالمة، إلى كونها نمطًا للحياة.
تعليقات
إرسال تعليق