الفساد لا يظهر دفعة واحدة، ولا يعلن عن نفسه كخطر داهم. هو يبدأ صغيرًا، مبرَّرًا، “مؤقتًا”، ثم مع الوقت يتحول إلى كائن شرِه يلتهم كل ما حوله. لا يكتفي بإفساد موقع أو منصب، بل يقتل المعنى نفسه: معنى الشرف، ومعنى الجدوى، ومعنى أن يكون للمستقبل قيمة.
أخطر ما في الفساد أنه لا يقتل الفاسد فقط، بل يقتل البيئة التي يعيش فيها. يقتل فرص الشرفاء، يقتل الثقة، ويقتل الأمل البسيط الذي يعيش عليه الناس وهم يربّون أبناءهم على فكرة أن “التعب له مقابل” و”الحق بيرجع”.
ومع الوقت، يصل الفساد إلى أكثر نقطة حساسة:
مستقبل الابن.
حين يرى الطفل أن الكاذب ينجح،
وأن الفاسد يُكافأ،
وأن الشريف يُهمَّش أو يُعاقَب،
يتشكل وعي مشوَّه:
إما أن يقلّد، أو ينسحب، أو يتمرّد بلا بوصلة.
وهنا لا يعود الفساد جريمة إدارية فقط،
بل يصبح جريمة أخلاقية ممتدة عبر الأجيال.
في المقابل، الفساد لا يقف مكتوف الأيدي.
هو يدافع عن نفسه بشراسة، لا لأنه قوي، بل لأنه خائف.
خائف من الشفافية،
خائف من النظام،
خائف من شخص واحد نظيف يعرف أين يقف.
يدافع عن نفسه بـ:
- تشويه الشرفاء.
- خلط الأوراق.
- نشر الخوف.
- تحويل القواعد إلى استثناءات.
- واستخدام “السمسرة” بدل القانون.
كل من يقف في وجهه يصبح “مشكلة”،
وكل من يسكت يصبح “جزءًا من الحل” من وجهة نظره.
لكن الحقيقة الثابتة:
الفساد قد يربح جولات،
لكنه لا يبني مستقبلًا.
هو يعيش على الاستنزاف،
وعندما ينتهي ما يستنزفه… ينهار.
أما الشرف، فخسارته مؤلمة وبطيئة،
لكن وجوده هو الشيء الوحيد القادر على إنقاذ ما تبقى.
الاختيار في النهاية ليس بين راحة مؤقتة ومواجهة صعبة فقط،
بل بين:
أن تشرح لابنك يومًا لماذا سكتَّ،
أو أن تترك له مثالًا يفهم به لماذا صمدت.
فالفساد يقتل كل شيء حولك مع الوقت،
لكن السكوت عليه…
يقتل ما تبقى داخلك.
.jpeg)
تعليقات
إرسال تعليق