يُستدعى الخطاب الديني كثيرًا—عن وعي أو بغير وعي—لتكريس فكرة الحتمية، حتى يبدو ما يحدث وكأنه قدر لا يُراجع، ومسار لا يُسأل عنه. غير أن القراءة المتأنية للسياق القرآني تكشف مفارقة حاسمة: القرآن يقرر السنن ليوقظ الفعل، لا ليخدّره. ومن هنا يصبح التمييز بين السنن والتسليم ضرورة معرفية وأخلاقية.
1. ما السنن؟ وما الذي ليست عليه؟
السنن في القرآن ليست قوانين صمّاء تعمل بمعزل عن الإنسان، بل علاقات مشروطة بين:
فعل ونتيجة،
سبب ومآل،
اختيار وأثر.
فالسنّة لا تُلغي الفاعل، بل تفترضه.
ولهذا ترتبط دائمًا بشرط:
«إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»
السنّة هنا ليست قدرًا سابقًا، بل نتيجة لاحقة.
2. كيف يُحرَّف مفهوم السنن؟
يحدث التحريف حين:
يُؤخذ النص خارج سياقه الكلي،
ويُعزل عن شرطه الأخلاقي والعملي،
ثم يُستخدم لتبرير واقع قائم.
بهذا التحريف، تتحول السنن من أداة وعي إلى آلية تبرير، ويصبح التسليم فضيلة، والسؤال ريبة، والاعتراض ضعف إيمان.
3. الفرق الجوهري بين التسليم والتواكل
التسليم القرآني:
يأتي بعد الفعل،
ويعني قبول النتيجة مع استمرار المسؤولية.
أما التواكل:
فيأتي قبل الفعل،
ويعني تعطيل الاختيار بحجة الغيب.
التنبؤات حين تُلبس لبوسًا دينيًا زائفًا، تدفع الناس إلى التواكل لا التسليم، وإلى انتظار المآل بدل صناعة المسار.
4. الأنبياء كأضداد للحتمية
لو كان القدر في القرآن يُفهم بوصفه حتمية مغلقة، لما كان للنبوة معنى.
فالأنبياء:
واجهوا واقعًا “قائمًا”،
ورفضوا تطبيعه،
وسألوا: لماذا؟ وكيف؟ وإلى متى؟
لم يقولوا: هكذا كُتب، بل قالوا: هكذا لا ينبغي أن يكون.
5. التنبؤ في ميزان قرآني
في المنظور القرآني، لا قيمة لمعرفة لا تثمر فعلًا.
وأي خطاب:
يكثر من التوقع،
ويقلل من المسؤولية،
ويُضعف إرادة التغيير،
هو خطاب مناقض لوظيفة الوعي، مهما لبس من لغة روحية أو غيبية.
6. استعادة الوعي من التديين المُعطِّل
أخطر ما في التوظيف الخاطئ للدين أنه:
يمنح الاستسلام قداسة،
ويجرّم السؤال،
ويحوّل الظلم إلى اختبار صبر لا قضية عدل.
بينما السياق القرآني الحقيقي يعيد مركز الثقل إلى الإنسان:
اختيارًا، ومسؤولية، ومحاسبة.
تمهيد للمقالة الختامية
بعد تفكيك التنبؤ، والتمهيد النفسي، وأسطورة الفاعل الخفي، والحتمية، والتحريف الديني… يبقى السؤال النهائي:
من المستفيد من عقل يتوقع كل شيء، ولا يعترض على شيء؟
هذا ما ستعالجه المقالة الأخيرة.
يتبع: المقالة السادسة — السؤال الحقيقي: من يستفيد من عقل يتوقع ولا يعترض؟
تعليقات
إرسال تعليق