مقدمة
إذا كان المقال السابق قد أسّس لفكرة أن تكرار فرعون في القرآن مقصود سياسيًا، فإن الخطوة التالية هي تفكيك التحول المنهجي الذي أحدثه القرآن:
نقل فرعون من كونه شخصًا تاريخيًا إلى كونه بنية حكم مكتملة.
هذا التحول هو مفتاح فهم السنن السياسية التي لا تموت بزوال الأفراد.
أولًا: لماذا لا يهتم القرآن باسم فرعون؟
القرآن، على غير عادته مع بعض الشخصيات، لا يذكر اسم فرعون الحقيقي، ولا سلالته، ولا زمن حكمه بدقة. هذا الإغفال ليس نقصًا تاريخيًا، بل اختيار منهجي.
الاسم يُقيِّد الفهم بزمن،
أما النموذج فيُحرِّره ليبقى صالحًا لكل زمان.
القرآن لا يريد من القارئ أن يقول:
“كان هذا في مصر القديمة”
بل أن يسأل:
“أين يتكرر هذا الآن؟”
ثانيًا: فرعون بوصفه نظامًا لا حاكمًا
في العرض القرآني، لا يعمل فرعون منفردًا، بل ضمن منظومة متكاملة، تشمل:
رأس السلطة
الحاكم الذي يحتكر القرار، ويختزل الدولة في شخصه.النخبة التنفيذية
وزراء، قادة، وجهاز إداري ينفّذ ويبرّر.الخطاب الرسمي
لغة تُعيد تعريف المفاهيم:
الأمن بدل العدل، الاستقرار بدل الحق، والطاعة بدل المسؤولية.الأداة القمعية
استخدام القوة بوصفها لغة سياسية أساسية.الجمهور المُدار
شعب لا يُخاطَب بوصفه شريكًا، بل بوصفه خطرًا محتملًا.
بهذا، يصبح فرعون دولةً كاملة، لا مجرد ملك متغطرس.
ثالثًا: الفرق بين الطاغية الفرد والدولة الطاغية
ليس كل طاغية فرعونًا بالمعنى القرآني.
الفرق الجوهري أن:
الطاغية الفردي:
قد يبطش
لكن سلطته هشّة
وسقوطه غالبًا سريع
أما الدولة الفرعونية:
فتبني الطغيان في القوانين
وتحوّله إلى ثقافة
وتجعل القمع إجراءً طبيعيًا
القرآن يركّز على الحالة الثانية، لأنها الأكثر بقاءً والأشد خطرًا.
رابعًا: مركزية الخطاب في الحكم الفرعوني
من أخطر ما يميز النموذج الفرعوني أن السيطرة لا تقوم على السلاح وحده، بل على إدارة الوعي.
فرعون لا يقول فقط:
أنا أملك القوة
بل يقول:
أنا أعرف، وأرى، وأهدي
وهنا تتحول السلطة من إدارة مصالح إلى احتكار معنى الحقيقة.
وعندما تحتكر السلطة الحقيقة، يصبح الاعتراض جريمة أخلاقية لا سياسية فقط.
خامسًا: فرعون كنموذج قابل للاستنساخ
القيمة السياسية للنموذج الفرعوني تكمن في قابليته للتكرار.
فكل نظام تتوافر فيه الشروط الآتية يقترب من البنية الفرعونية:
شخصنة الدولة
تبرير القمع باسم الصالح العام
تحويل الخوف إلى أداة استقرار
شيطنة المخالف
إفراغ القيم من مضمونها
وهذا ما يجعل ذكر فرعون مستمرًا وراهنًا.
خلاصة
القرآن لم يُرد من قصة فرعون أن تكون حكاية سقوط طاغية، بل دليل تشخيص للسلطة حين تنحرف.
بنزع الاسم والتاريخ، حوّل النص فرعون إلى مرآة سياسية، يستطيع كل مجتمع أن يرى فيها نفسه إن أراد.
المقال التالي:
سنن نشوء الطغيان: كيف تبدأ الدولة الفرعونية؟
تعليقات
إرسال تعليق