القائمة الرئيسية

الصفحات

من آتـاك إلى أتيك: حين تكون القيمة مُنَجَّزة… أو مُستخرَجة

 


في الاستعمال القرآني، لا تأتي الألفاظ على سبيل الترادف الكسول، ولا تُبدَّل الصيغ عبثًا، بل تتحرك الكلمة داخل نسيج دقيق يراعي طبيعة العطاء، وحال المتلقي، وطريقة الانتفاع. ومن هذا الباب يبرز الفارق الدلالي العميق بين صيغتي «آتـاك» و «أتـيك»، رغم اتحادهما في الجذر، واشتراكهما في الإتيان من مصدر إلى متلقٍّ.

كلا الصيغتين لا تنتميان إلى معنى «أعطى» بالمعنى الشائع المرتبط بكشف شيء خفيّ وتسليمه للمتلقي على حاله، بل هما أرقى من ذلك؛ فهما تتصلان بتكوينٍ ذي قيمة، أو سلطان، أو إحكام، انتقل من موضع إلى آخر. غير أن طريقة الانتقال ووظيفة المتلقي هي موضع الفارق الحقيقي.


أولًا: «آتـاك»… التكوين المُوَفَّق الجاهز للاستخدام

حين يأتي التعبير بصيغة «آتـاك»، فإن السياق يدل على أن هناك تكوينًا قد اكتمل توفيقه وإتقانه أولًا، ثم أُعيد توفيقه مرة أخرى ليتلاءم مع طبيعة المتلقي.
فالقيمة هنا ليست خامًا، وليست في طور الاكتشاف، بل هي مُهَيَّأة للاستعمال، متناسبة مع قدرات من أُوتيها، سواء كانت علمًا، أو حكمًا، أو ملكًا، أو سلطانًا.

الألف في هذه الصيغة ليست زيادة صوتية، بل علامة على مرحلة إضافية من التهيئة:
تهيئة التكوين في ذاته، ثم تهيئته ليقع موقعه الصحيح عند من يتلقاه.

لذلك فإن «آتـاك» تفيد:

  • قيمة مُنجَزة

  • وظيفة واضحة

  • أثرًا مباشرًا في الواقع

المتلقي هنا مستعمل للقيمة، لا مُنقِّبًا عنها.


ثانيًا: «أتـيك»… التكوين الذي ينتظر الاستخراج

أما صيغة «أتـيك»، فتنقلنا إلى مقام مختلف تمامًا.
القيمة موجودة بالفعل، والتكوين مكتمل في أصله، لكن لم يُعاد توفيقه بحسب المتلقي.
هنا تقع المسؤولية على عاتق المتلقي نفسه:
أن يستخرج من هذا التكوين ما يستطيع فهمه، واستيعابه، والتفاعل معه.

القيمة ليست غائبة، لكنها غير مفصولة ولا مُشَرَّحة، ولا تُسَلَّم على هيئة جاهزة.
ومن ثم فإن الفهم يتطلب:

  • تأملًا

  • اجتزاءً

  • قراءة سياقية

  • وربما تجربة شخصية

ولهذا جاء التعبير القرآني:

﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾

فالحديث هنا ليس مجرد خبر، ولا مجرد قصة تُروى، بل تكوين متكامل (وحي، تجربة، اصطفاء، ابتلاء).
ولا يُقصد به نقل التوراة كنص جاهز، بل فتح باب الاستخراج:
استخراج العبرة، واستخراج السنن، واستخراج المعنى القابل لأن يُعاد فهمه في سياق جديد.

المتلقي في «أتـيك» شريك في توليد القيمة، لا مجرد متلقٍ لها.


ثالثًا: الفارق الجوهري بين الصيغتين

يمكن تلخيص الفرق الدلالي بين «آتـاك» و«أتـيك» على النحو الآتي:

  • آتـاك:
    استعمال التكوين ذي القيمة بعد إتقانه ومواءمته للمتلقي.

  • أتـيك:
    استخراج قيمة من تكوين أصلي مكتمل، دون مواءمة مسبقة مع المتلقي.

الفارق ليس في مصدر العطاء، بل في من يقوم بمرحلة التوفيق النهائية:

  • في «آتـاك»: التوفيق تم قبل الوصول.

  • في «أتـيك»: التوفيق يُنجَز بعد الوصول، على يد المتلقي.


خاتمة

بهذا يتضح أن القرآن لا يفرّق بين الصيغ لمجرد التنويع البلاغي، بل ليشير إلى حالتين معرفيتين مختلفتين:

  • حالة يُسلَّم فيها المعنى صالحًا للاستعمال.

  • وحالة يُلقى فيها التكوين كاملًا، ويُطالَب العقل أن يعمل فيه.

ومن هنا، فإن الفرق بين «آتـاك» و«أتـيك» ليس فرق لفظ، بل فرق منهج تعامل مع القيمة:
هل تُستَخدَم… أم تُستَخرَج؟

تعليقات