القائمة الرئيسية

الصفحات

المقالة الثالثة: من الحكومة الخفية إلى إدارة الإدراك: تفكيك الأسطورة



عندما يعجز العقل عن تفسير تعقيد العالم، يبحث عن مركز واحد يُحمِّله المسؤولية. من هنا وُلدت فكرة “الحكومة الخفية” باعتبارها كيانًا كليّ القدرة، يخطط لكل شيء ويدير كل شيء. غير أن هذا التصور—على الرغم من جاذبيته—قد يحجب فهمًا أعمق وأكثر واقعية لما يجري: إدارة الإدراك دون الحاجة إلى حاكم سري واحد.

الخطورة لا تكمن في وجود نخبة أو مصالح، فذلك ثابت تاريخيًا، بل في تحويل التعقيد البنيوي إلى أسطورة مبسطة تُريح العقل وتُعطّله في آن واحد.


1. لماذا نحب فكرة “الفاعل الخفي”؟

فكرة الحكومة الخفية تمنح:

  • تفسيرًا شاملًا لكل الأزمات،

  • خصمًا واضحًا يسهل توجيه الغضب نحوه،

  • شعورًا زائفًا بالفهم والسيطرة.

لكنها في الوقت نفسه:

  • تُغلق باب التحليل المؤسسي،

  • تُغني عن دراسة المصالح المتشابكة،

  • تُحوِّل الواقع إلى قصة لا إلى منظومة.

وهكذا يُستبدل التفكير النقدي بالإيمان بسردية جاهزة.


2. الواقع: لا مركز واحد بل منظومة تأثير

العالم لا يُدار من غرفة مظلمة واحدة، بل عبر:

  • شبكات مصالح اقتصادية،

  • مؤسسات ضغط،

  • خبرات إعلامية ونفسية،

  • تفاعل بين قرارات متنافسة لا متطابقة.

هذا لا يعني البراءة، بل يعني أن التأثير لامركزي لكنه متناسق وظيفيًا.
كل طرف يعمل لمصلحته، لكن النتيجة النهائية تصب في اتجاه واحد:
تقليل الصدمة، وضبط رد الفعل، وإدارة القبول.


3. إدارة الإدراك كبديل عن القمع

في النماذج القديمة، كانت السلطة تُمارَس بالقوة المباشرة.
أما اليوم، فالأكثر كفاءة هو:

  • إقناع الناس بأن ما يحدث طبيعي،

  • إشعارهم بأنه لا بديل عنه،

  • جعلهم شركاء في تبريره.

وهنا تتكامل التنبؤات، والتمهيد النفسي، والإعلام، لتشكيل بيئة إدراكية لا تحتاج إلى أوامر صريحة.


4. أسطورة الحكومة الخفية كأداة إلهاء

المفارقة أن التمسك بفكرة الحكومة الخفية قد يخدم—دون قصد—نفس المنظومة التي يُراد فضحها.
إذ ينشغل الناس:

  • بالبحث عن الكيان السري،

  • بدل تفكيك السياسات العلنية،

  • وباتهام “قوى غامضة”،

  • بدل محاسبة مؤسسات محددة.

وبذلك تتحول الأسطورة إلى حاجز معرفي لا أداة وعي.


5. من التفسير إلى الشلل

حين يُفسَّر كل شيء بأنه نتيجة خطة مطلقة لا تُقاوَم، يحدث شلل عملي:

  • لا معنى للاحتجاج،

  • لا جدوى من الإصلاح،

  • لا قيمة للفعل.

وهنا تلتقي أسطورة الحكومة الخفية مع أخطر أهداف إدارة الإدراك:
إقناع الإنسان أن دوره انتهى.


6. تمهيد للمرحلة التالية

بعد تفكيك أسطورة الفاعل الواحد، يبرز سؤال أخطر:
إذا لم يكن هناك حاكم خفي، فلماذا يُقدَّم ما يحدث كقدر لا يُرد؟
الإجابة تقودنا إلى قلب الإشكال:
تحويل التنبؤ إلى قدر، والحدث إلى حتمية.

يتبع: المقالة الرابعة — التنبؤ كقدر: عندما يُنزَع الفعل من الإنسان

تعليقات