القائمة الرئيسية

الصفحات

العِجل في القرآن: بين أداة المعرفة ومعبود الفتنة

 

ليس العِجل في القرآن مجرد حادثة تاريخية عابرة، ولا صنمًا من ذهب انقضى أثره بانقضاء زمنه، بل هو نموذج متكرر، وصيغة ذهنية وسلوكية تتجدد كلما اجتمعت المعرفة المجزأة، والتحام المادة، مع غياب الميزان القيمي.

العِجل في جوهره ليس ذهبًا ولا صوتًا، بل طريقة تعامل الإنسان مع ما يصنعه:
هل يتعامل معه كأداة؟
أم يرفعه إلى مرتبة المعنى الأعلى، فيعبده دون أن يشعر؟


أولًا: كيف صُنع العِجل؟

العِجل لم يُخلق من عدم، بل صُنع من موجودات:

  • ذهب كان في حوزة القوم
  • معرفة تقنية بكيفية الصياغة
  • حيلة ذكية لإخراج صوت (خُوار)
  • توقيت نفسي مضطرب (غياب موسى – انتظار – خوف – فراغ)

هنا تظهر القاعدة الكبرى:

العِجل هو نتاج جمع أجزاء متفرقة من مادة ومعرفة، ثم وصلها في صورة واحدة متكاملة.

وهذا بالضبط ما يفعله الإنسان الحديث في كل اختراع:

  • يجمع أجزاء من علوم مختلفة
  • يوصل بينها بمنهج أو تقنية
  • فتنتقل من حالتها العادية إلى حالة جديدة “مبهرة”

العِجل إذن ليس بدائيًا، بل هو اختراع بلغة عصره.


ثانيًا: أين كانت الفتنة؟

الفتنة لم تكن في الصناعة، بل في التحول الوظيفي:

  • الذهب أداة → صار مقدسًا
  • الصوت ظاهرة فيزيائية → صار دليل حياة
  • الشكل المصنوع → صار مركز الطاعة
  • الصانع (السامري) → صار مرجعية ضمنية

العِجل لم يأمرهم صراحة بعبادته،
لكنهم أسقطوا عليه معنى الإله لأنهم:

  • أرادوا شيئًا حاضرًا ملموسًا
  • خافوا من الغيب
  • ضاقوا بطول الطريق
  • واشتاقوا لمرجعية سريعة

وهنا تظهر أخطر نقطة:

العِجل يُعبد حين يُختصر الطريق إلى المعنى.


ثالثًا: العِجل كقانون متكرر في التاريخ

العِجل ليس صنمًا واحدًا، بل قابل للاستنساخ في كل عصر:

1. العلم حين يتحول إلى عِجل

العلم في أصله أداة كشف وتسخير.
لكن حين يُنزَع من الأخلاق:

  • يصبح المرجعية العليا
  • يُقصي أي سؤال غائي
  • يُعبد بوصفه “الحقيقة النهائية”

فيتحول العلم من أداة فهم → إلى عِجل معرفي.

ليس الخطأ في العلم،
بل في تقديس المنهج وإلغاء الإنسان.


2. التكنولوجيا كعِجل حديث

الهاتف، الخوارزمية، الذكاء الاصطناعي:

  • صُنعت من أجزاء: رياضيات + فيزياء + برمجة
  • التحمت في منظومة واحدة مذهلة

لكن السؤال:

  • هل نستخدمها؟
  • أم تُعيد تشكيل وعينا، وقيمنا، وقراراتنا؟

حين:

  • نثق بها أكثر من ضميرنا
  • نُسلّم لها خياراتنا
  • نخضع لإيقاعها دون وعي

فقد بدأ العِجل الرقمي بالخُوار.


3. السوق والمال

الذهب الذي صُنع منه العِجل لم يكن مشكلة،
بل ما أُسقط عليه من معنى.

اليوم:

  • المال أداة تبادل
  • لكنه قد يتحول إلى إله خفي
  • تُبرر باسمه الجرائم
  • وتُقاس به قيمة الإنسان

فإذا صار:

ما لا يدرّ ربحًا = لا قيمة له

فقد عاد العِجل… ولكن بلغة الاقتصاد.


رابعًا: الفرق بين العبادة والاستعمال

القرآن لم يُحرّم الصناعة،
بل حرّم العبودية لنتاجها.

الفرق الدقيق:

  • الأداة: تخدمك
  • المعبود: تُسخَّر له

أنت تعبد العِجل حين:

  • تخضع له دون مساءلة
  • تجعله مصدر المعنى
  • تخاف فقده أكثر من فقد الحق
  • تبرر له الخطأ

وتستعمله حين:

  • يبقى في موقع الوظيفة
  • يخضع للقيم لا يصنعها
  • يُستبدل إن أفسد
  • ولا يمنحك هوية

خامسًا: لماذا كان العِجل فتنة لا مجرد خطأ؟

لأن الفتنة:

  • تكشف ما في الداخل
  • لا تفرض نفسها بالقوة
  • بل بالإغراء

العِجل كشف:

  • هشاشة الإيمان بالغيب
  • الخوف من الفراغ
  • الحاجة إلى رمز سريع
  • ضعف الصبر على الطريق الطويل

ولهذا كان غياب موسى كافيًا،
فالمشكلة لم تكن في الغياب،
بل في عدم ترسخ المعنى.


سادسًا: العِجل في حياتنا اليوم

العِجل اليوم قد يكون:

  • فكرة
  • شخصًا
  • نظامًا
  • تقنية
  • شعارًا
  • أو “إنجازًا” بلا روح

وكلما:

  • صُنعت المعرفة
  • ثم فُصلت عن الحكمة
  • ثم قُدّست

ظهر العِجل…
حتى لو لم يُصنع من ذهب.


الخلاصة العميقة

العِجل في القرآن تحذير دائم لا قصة منتهية:

كل ما تصنعه بيدك
ثم ترفعه فوق ميزان القيم
وتمنحه حق التوجيه
فقد صار عِجلًا
ولو كان علمًا، أو تقنية، أو فكرة.

النجاة ليست في كسر الأدوات،
بل في إبقاء المعنى أعلى منها.

وهنا تكون العبرة:

  • لا أن نهدم العِجل
  • بل أن نرفض عبادته
  • ونُحسن استخدامه
  • دون أن نُسلم له قلوبنا وعقولنا.

فالمشكلة لم تكن يومًا في العِجل…
بل فيمن نسي ربه وهو ينظر إلى صناعته.


انت الان في اول مقال

تعليقات