الكورتيزول كحلقة وصل بين الانفعال والمرض
ملخص (Abstract)
تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الانفعالات النفسية لا تظل حبيسة المجال الوجداني، بل تُحدث تغيّرات بيولوجية قابلة للقياس، خاصة عبر محور الوطاء–النخامى–الكظر (HPA axis) المسؤول عن إفراز هرمون الكورتيزول. يهدف هذا المقال إلى التمييز بين الخوف والحزن من منظور علمي، وربط هذا التمييز بالتصور القرآني لهذين الانفعالين، مع بيان أثر كل منهما على التوازن الهرموني والصحة الجسدية. ويخلص البحث إلى أن الخوف استجابة وقائية مؤقتة، بينما يتحول الحزن المزمن إلى عامل خطر مرضي عبر اضطراب إفراز الكورتيزول، وهو ما يتقاطع بدقة مع المنظور القرآني الذي نفى الخوف والحزن عن الحالة الإيمانية المستقرة.
أولًا: مدخل نظري
لم يعد الجسد في الطب الحديث كيانًا منفصلًا عن النفس، بل أصبح يُنظر إليه كنظام متكامل تتداخل فيه العوامل النفسية والهرمونية والمناعية. وفي هذا السياق، برز هرمون الكورتيزول بوصفه مؤشرًا حيويًا للإجهاد النفسي المزمن، ووسيطًا رئيسيًا بين الانفعال والمرض.
في المقابل، يقدّم القرآن تصورًا دقيقًا للحالات النفسية، خاصة الخوف والحزن، لا بوصفهما مشاعر عابرة فحسب، بل كحالات وجودية تؤثر في سلوك الإنسان واستقراره. ومن هنا تبرز أهمية المقارنة المنهجية بين التصورين.
ثانيًا: الخوف والحزن من منظور علم النفس والبيولوجيا
1. الخوف (Fear)
الخوف استجابة فسيولوجية ونفسية لتهديد حقيقي أو متوقَّع، تُفعِّل الجهاز العصبي السمبثاوي، وتؤدي إلى:
ارتفاع مؤقت في الكورتيزول
زيادة معدل ضربات القلب
رفع مستوى الجلوكوز في الدم
وظيفته الأساسية هي الحماية والتكيف، ويُعد صحيًا ما دام:
مرتبطًا بمثير واضح
محدودًا زمنيًا
يعقبه عودة التوازن الهرموني
2. الحزن (Chronic Sorrow / Persistent Sadness)
الحزن، بخلاف الخوف، لا يرتبط دائمًا بتهديد مباشر، بل غالبًا ما ينشأ عن:
فقد
قهر
شعور مستمر بالعجز أو الإحباط
وعندما يتحول إلى حالة مزمنة، فإنه يؤدي إلى:
اضطراب مستمر في إفراز الكورتيزول
إنهاك محور HPA
خلل في التوازن المناعي والتمثيل الغذائي
وهنا ينتقل الانفعال من كونه تجربة نفسية إلى عامل خطورة مرضي.
ثالثًا: الكورتيزول والمرض – الآلية البيولوجية
1. التأثير المناعي
الكورتيزول المزمن يثبط المناعة الخلوية
يزيد الالتهاب الصامت
يرتبط بأمراض المناعة الذاتية وبطء التعافي
2. التأثير القلبي الوعائي
ارتفاع ضغط الدم
تسارع تصلب الشرايين
زيادة احتمالات الجلطات
3. التأثير الأيضي
مقاومة الإنسولين
السمنة المركزية
السكري من النوع الثاني
4. التأثير العصبي
ضعف الذاكرة
اضطراب النوم
الاكتئاب والقلق المزمن
وهكذا يصبح الحزن المزمن بيئة داخلية مهيئة للمرض.
رابعًا: الخوف والحزن في التصور القرآني
يُلاحظ في الخطاب القرآني اقتران الخوف بالحزن في مواضع كثيرة، مع نفيهما عن فئات محددة، في صيغة ثابتة:
لا خوف عليهم ولا هم يحزنون
وهذا النفي ليس إنكارًا لوجود الانفعال الإنساني، بل توصيف لحالة استقرار داخلي ناتجة عن:
وضوح المرجعية
الثقة في العاقبة
زوال الشعور بالعجز الوجودي
دلالة قرآنية مهمة
الخوف في القرآن غالبًا مرتبط بالمستقبل
الحزن مرتبط بالماضي
وهذا التقسيم يتطابق مع التحليل النفسي الحديث:
الخوف = قلق توقعي
الحزن = اجترار فقد أو صدمة
والقرآن لا ينفي الخوف بوصفه استجابة فطرية، بل ينفي استقراره وتحوله إلى حالة دائمة، وهو عين ما يثبته العلم بوصفه خطرًا صحيًا.
خامسًا: نقطة الالتقاء بين العلم والقرآن
العلم يقول:
الخوف المؤقت مفيد
الحزن المزمن مدمّر
والقرآن يقول:
الاستقامة الإيمانية تُخرج الإنسان من دوام الخوف والحزن
كلاهما يلتقي عند حقيقة واحدة:
المرض لا ينشأ من الانفعال،
بل من تحوّل الانفعال إلى حالة داخلية مستقرة.
سادسًا: دلالات علاجية وبحثية
أهمية التفريق بين:
انفعال عابر
حالة نفسية مزمنة
دمج العلاج النفسي مع الفهم القيمي والوجودي
إعادة النظر في الأمراض “غير المفسَّرة عضويًا” بوصفها اضطرابات محور الإجهاد
خاتمة
لا يتعارض التصور القرآني للخوف والحزن مع العلم الحديث، بل يقدّم إطارًا وقائيًا عميقًا يسبق الاكتشافات البيولوجية. فحين يتحرر الإنسان من دوام الخوف والحزن، لا يحقق فقط طمأنينة نفسية، بل يحمي توازنه الهرموني، ومناعته، وصحته الجسدية على المدى البعيد.
وبذلك يتكامل النص والوصف العلمي، دون تحميلٍ للنص ما لا يقول، ولا اختزالٍ للعلم فيما لا يثبت.
تعليقات
إرسال تعليق