مدخل مفاهيمي
واحدة من أخطر الإشكاليات في علم النفس الحديث هي الخلط بين الألم والمرض.
ليس كل من يتألم مريضًا، وليس كل من يهدأ سليمًا.
السؤال الجوهري هنا:
متى يكون الألم النفسي استجابة إنسانية طبيعية؟
ومتى يتحول إلى اضطراب يحتاج تدخلًا علاجيًا؟
الإجابة ليست طبية فقط، بل وجودية وأخلاقية أيضًا.
أولًا: الألم النفسي كخبرة إنسانية
الألم النفسي مرتبط جوهريًا بالوعي:
- فقد → ألم
- خذلان → ألم
- ظلم → ألم
- صدمة → ألم
- سؤال وجودي → ألم
الألم هنا ليس خللًا، بل علامة على أن النفس ما زالت حيّة، تشعر، وتفهم، وتقاوم التبلّد.
في هذا السياق:
الألم ليس عدوًا للنفس،
بل لغتها حين يعجز الواقع عن الكلام.
ثانيًا: متى بدأ تجريم الألم؟
في مجتمعات السرعة والإنتاج:
- لا وقت للحزن الطويل،
- لا مساحة للأسئلة الثقيلة،
- لا صبر على القلق العميق.
فتمت إعادة توصيف الألم:
- الحزن صار “اكتئابًا” بسرعة،
- القلق صار “اضطرابًا” قبل أن يُفهم،
- الانسحاب صار “تجنبًا مرضيًا”.
ليس لأن الألم ازداد،
بل لأن القدرة على احتماله قلت.
ثالثًا: ما هو الاضطراب النفسي فعلًا؟
الاضطراب النفسي لا يُقاس بوجود الألم، بل بـ:
- تعطّل الوظائف الأساسية على المدى الطويل،
- فقدان القدرة على الحكم الواقعي،
- انهيار العلاقة مع الذات أو الآخرين،
- عجز مستمر عن التكيف حتى مع الدعم.
بمعنى أدق:
الاضطراب هو فشل النفس في حمل الألم،
لا مجرد وجود الألم نفسه.
رابعًا: الألم الصحي مقابل الألم المُمرِض
الألم الصحي:
- له سبب مفهوم،
- يتغير مع الزمن،
- يسمح بالتأمل،
- قد ينتج معنى.
الألم المُمرِض:
- بلا أفق،
- بلا لغة،
- يعزل صاحبه عن ذاته،
- يلتهم القدرة على الاختيار.
الفرق ليس في الشدة فقط،
بل في العلاقة مع الألم.
خامسًا: العلاج… تهدئة أم فهم؟
كثير من التدخلات العلاجية تركز على:
- إخماد الأعراض،
- تقليل الانزعاج،
- إعادة الفرد إلى الأداء.
لكن سؤالًا مهمًا يُهمَل:
هل نريد إزالة الألم؟
أم فهم ما يقوله؟
أحيانًا، إزالة الألم سريعًا
تعني إسكات رسالة لم تُقرأ بعد.
سادسًا: الخطر الأخلاقي في الطب النفسي
حين نُعالج كل ألم كمرض:
- نُسطّح التجربة الإنسانية،
- نُفرغ المعاناة من معناها،
- ونحوّل الإنسان إلى “حالة”.
الخطر ليس في الدواء،
بل في استخدامه كبديل عن الفهم.
سابعًا: الألم كجزء من النضج
في الفلسفة الوجودية،
الألم ليس نقيض الحياة،
بل شرط من شروطها.
الإنسان الذي لم يتألم:
- لم يُختبر،
- لم يُسائل،
- لم ينكسر ليُعاد تشكيله.
بعض الآلام لا تحتاج علاجًا،
بل احتواء، وزمنًا، ومعنى.
خاتمة
ليس كل وجع اضطرابًا،
وليس كل صمت شفاءً.
الألم النفسي قد يكون:
- طريقًا للفهم،
- أو مرحلة عبور،
- أو علامة وعي مبكر.
أما الاضطراب الحقيقي،
فهو حين تفقد النفس قدرتها على تحويل الألم إلى معنى.
والحكمة ليست في القضاء على الألم،
بل في التمييز:
متى نُداويه،
ومتى نُصغي إليه.
الموضوع التالي
- أو هل السعادة هدف نفسي حقيقي أم مطلب اجتماعي
.jpeg)
تعليقات
إرسال تعليق