القائمة الرئيسية

الصفحات

هل يدرس علم النفس الحديث حقيقة النفس… أم يصوغ ما يريدها أن تكون؟


مقدمة إشكالية

أن انتقل علم النفس من الفلسفة إلى المختبر، ظل سؤال جوهري بلا حسم:

هل يدرس علم النفس الحديث النفس كما هي فعلًا؟
أم أنه يدرس نموذجًا معياريًا للنفس كما يُراد لها أن تكون داخل مجتمع منضبط، منتج، قابل للإدارة؟

هذا السؤال ليس لغويًا ولا نظريًا فقط، بل يمس جوهر العلم وحدوده وأدواته وأهدافه.


أولًا: مفهوم “النفس” قبل العلم

تاريخيًا، لم تكن النفس موضوع قياس، بل موضوع تأمل وفهم:

  • في الفلسفة: النفس جوهر، وعي، إرادة، صراع.
  • في الدين: النفس كيان أخلاقي متقلب (أمّارة، لوّامة، مطمئنة).
  • في الأدب: النفس تجربة حيّة، مليئة بالتناقض واللايقين.

كانت النفس تُفهم من الداخل، لا تُقاس من الخارج.


ثانيًا: ولادة علم النفس الحديث وتغيير السؤال

مع القرن التاسع عشر، قرر علم النفس أن يصبح علمًا تجريبيًا:

  • استبدل السؤال: من هي النفس؟
    بسؤال: كيف تتصرف النفس؟

وهنا حدث التحول الخطير:

السلوك أصبح بديلًا عن الحقيقة الداخلية.

ما لا يُقاس، أُقصي.
ما لا يُلاحظ، شُكّك فيه.
وما لا يخدم النموذج العلمي، أُهمل.


ثالثًا: من الفهم إلى الضبط

في كثير من مدارسه، لم يكتفِ علم النفس بوصف النفس، بل انتقل إلى تصحيحها:

  • السلوكيات غير المنتجة → اضطراب.
  • الحزن الطويل → خلل.
  • القلق الوجودي → مشكلة علاجية.
  • التمرد → عدم توافق.

هنا يبرز السؤال: هل هذه أوصاف علمية محايدة؟
أم أحكام ثقافية مغلفة بلغة علمية؟


رابعًا: النفس “الطبيعية” كنموذج مُسبق

علم النفس الحديث غالبًا يفترض نموذجًا خفيًا:

  • إنسان متوازن.
  • منتج.
  • قادر على التكيّف.
  • قليل الصراع الداخلي.
  • منضبط انفعاليًا.

ثم تُقاس النفوس عليه.
من يخرج عنه يُصنّف، يُشخّص، ويُعاد “تأهيله”.

لكن: هل هذا هو الإنسان فعلًا؟
أم الإنسان كما تحتاجه المنظومة الاجتماعية والاقتصادية؟


خامسًا: أين اختفت الأسئلة الكبرى؟

أسئلة مثل:

  • لماذا أتألم؟
  • ما معنى القلق؟
  • هل الصراع الداخلي مرض أم وعي؟
  • هل كل تكيّف صحي؟
  • هل السعادة هدف أم وهم؟

هذه الأسئلة لا تجد مكانًا مريحًا في العيادة النفسية الحديثة،
لأنها لا تُقاس… لكنها تُعاش.


سادسًا: بين العلاج والفلسفة

العلاج النفسي غالبًا يسأل:

كيف نُعيد الفرد إلى الأداء المقبول؟

بينما الفلسفة تسأل:

هل الأداء المقبول عادل؟
وهل القبول يعني الصحة؟

هنا لا نقول إن علم النفس مخطئ،
بل نقول إنه جزئي.

يعالج أعراضًا،
لكنه لا يحتكر تعريف الحقيقة الإنسانية.


سابعًا: هل النفس موضوع علم أم تجربة وجود؟

ربما الإشكال الحقيقي هو: أن النفس ليست “شيئًا” واحدًا يمكن احتواؤه في نموذج.

هي:

  • بيولوجيا ✔
  • تاريخ شخصي ✔
  • سياق اجتماعي ✔
  • معنى ذاتي ✔
  • وأسئلة بلا إجابات ✔

وعندما يحاول علم واحد احتواء كل ذلك،
فهو إما يُبسّط… أو يُقصي.


خاتمة مفتوحة

علم النفس الحديث لا يدرس النفس كما هي فقط،
ولا يصوغها كما يريدها فقط.

هو يقف في المنتصف: يفهم بعض الحقيقة،
ويُعيد تشكيل بعض الإنسان.

الخطر لا يكمن في وجود العلم،
بل في اعتباره المرجع الوحيد لفهم النفس.

فالنفس أوسع من المختبر،
وأعمق من الاستبيان،
وأصدق حين تُسمع… لا حين تُقاس فقط.


المقالات القادمة:

  • كيف تصنع السلطة تعريف “الصحة النفسية”؟
  • الفرق بين الألم النفسي والاضطراب النفسي
  • هل العلاج النفسي يخفف المعاناة أم يعيد تطبيعها؟
  • النفس في علم النفس مقابل النفس في الفلسفة والدين

تعليقات