كثيرون يظنون أن الإيمان الحقيقي يعني غياب الخوف.
وهذا تصور قاسٍ وغير واقعي.
الإيمان لا يُلغِي القلق تلقائيًا،
ولا يُعطِّل العقل،
ولا يمنح الإنسان حصانة نفسية ضد الألم.
ما يفعله الإيمان – حين يُفهم بعمق –
هو إعادة ترتيب الداخل
لا إسكات الأصوات بالقوة.
1. لماذا لا يكفي “أنا مؤمن” لتهدئة القلق؟
لأن الإيمان قد يبقى:
فكرة عقلية
قناعة عامة
معرفة ذهنية
بينما القلق يعمل في طبقة أعمق:
طبقة الشعور
طبقة الإحساس بالأمان
طبقة العلاقة بالسيطرة
العقل قد يصدق،
لكن الجهاز النفسي لا يهدأ
إلا إذا شعر أن هناك من يحمل الحمل عنه فعلًا.
2. الصراع الخاطئ: عقل مقابل إيمان
حين يظهر الخوف،
يبدأ بعض الناس صراعًا داخليًا:
“لازم أكون مطمئن”
“الخوف ضعف”
“القلق قلة يقين”
فيشعر الإنسان بالذنب،
ثم بالخوف من خوفه،
ثم بتعب مضاعف.
الإيمان الناضج لا يُدين القلق،
بل يحتويه.
3. الإيمان كمساحة أمان لا كأداة إسكات
الفرق الجوهري:
الإيمان الوعظي يقول:
“اطمئن، لا تفكر”الإيمان الهادئ يقول:
“فكّر، لكن لست وحدك”
الأول يحاول إغلاق العقل،
والثاني يرفع عنه عبء القيادة الكاملة.
4. لماذا يحتاج العقل إلى “حدود”؟
العقل حين يُترك بلا حدود:
يريد فهم كل شيء
ضمان كل شيء
توقع كل شيء
وهذا مستحيل.
الإيمان لا يمنع التفكير،
بل يضع له سقفًا صحيًا:
“هناك منطقة ليست من اختصاصك”
وهذا السقف ليس عجزًا،
بل رحمة بالعقل.
5. معنى التسليم… بعيدًا عن الفهم الشائع
التسليم لا يعني:
عدم الأخذ بالأسباب
أو السلبية
أو انتظار المعجزات
التسليم يعني:
أن تبذل ما تستطيع
ثم لا تحمل ما لا تستطيع
هو توزيع عادل للأدوار:
لك السعي
وليس لك النتائج
ولا توقيت الأحداث
ولا شكلها النهائي
6. كيف يخفف الإيمان القلق عمليًا؟
ليس بالعبارات،
بل بثلاث نقلات داخلية:
1) نقل مركز السيطرة
من “أنا وحدي”
إلى “لست وحدي في هذا”
2) نقل الزمن
من العيش في الغد
إلى الحضور في اليوم
3) نقل المسؤولية
من حمل الكون
إلى حمل الدور فقط
هذه النقلات لا تُقال،
بل تُمارس.
7. لماذا كان الإيمان قديمًا مصدر طمأنينة؟
لأنه لم يكن فكرة تجريدية،
بل تجربة معيشة:
ثقة
صبر
انتظار غير مذعور
أما اليوم،
فكثيرون يريدون من الإيمان
أن يعمل كزر إيقاف للقلق،
وهذا ليس دوره.
8. تمرين داخلي (بسيط لكنه مؤثر)
حين يتصاعد القلق،
لا تقل:
“لازم أهدى”
قل:
“هذا فوق طاقتي، وليس فوق قدرتي على التسليم”
لاحظ الفرق.
الأول صراع،
الثاني تسليم واعٍ.
ختام الجزء السادس
الإيمان ليس إنكارًا للخوف،
ولا تغطية عليه،
ولا هروبًا منه.
الإيمان الحقيقي:
إعادة توزيع الحمل داخل النفس
بحيث لا يسحق العقل وحده.
في الجزء السابع:
سنتحول من الفهم إلى التطبيق:
كيف نُدير الخوف بدل أن يديرنا؟
بأدوات واقعية يومية، لا شعارات.
تعليقات
إرسال تعليق