القائمة الرئيسية

الصفحات

 


ضوابط قانونية غائبة وممارسات إدارية خاطئة

في الواقع العملي داخل الإدارات الحكومية، يثور خلط شائع بين مفهوم شَغْل الوظيفة الإشرافية ومفهوم تسيير الأعمال، وهو خلط ترتبت عليه آثار مالية وإدارية وقانونية جسيمة، خاصة فيما يتعلق باستمرار بعض العاملين في ممارسة اختصاصات إشرافية وصرف بدل إشراف وقيادة دون سند قانوني صحيح.


أولًا: شَغْل الوظيفة الإشرافية

لا يكون شَغْل وظيفة مدير إدارة أو وظيفة إشرافية إلا من خلال أحد المسارات القانونية المقررة، وأهمها:

  • التعيين أو الترقية وفقًا لقانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016.

  • الندب أو النقل بقرار إداري صريح وساري.

وفي هذه الحالات فقط ينشأ مركز قانوني مستقر، ويترتب عليه استحقاق المزايا المالية المرتبطة بالوظيفة.


ثانيًا: ماهية تسيير الأعمال

تسيير الأعمال هو إجراء استثنائي مؤقت تلجأ إليه الإدارة لمواجهة فراغ وظيفي طارئ، ويكون ذلك:

  • لحين شغل الوظيفة بالطرق القانونية.

  • أو لحين عودة شاغلها الأصلي.

شروط صحة تسيير الأعمال

  1. صدور قرار إداري صريح ومحدد المدة.

  2. أن يكون القرار مؤقتًا بطبيعته.

  3. ألا يتحول إلى وضع دائم أو مستمر.

وتسيير الأعمال لا يُعد شغلًا للوظيفة، ولا يُكسب القائم به أي حق مكتسب فيها.


ثالثًا: التجديدات المتكررة وتجاوز الغاية المشروعة

عندما يتم:

  • تجديد تسيير الأعمال سنويًا لعدة سنوات، أو

  • ترك القائم بالأعمال مستمرًا دون تجديد مكتوب،

فإن ذلك يمثل:

  • انحرافًا بالسلطة.

  • تحايلاً على مبدأ الجدارة والمسابقة.

  • إفراغًا للنصوص القانونية من مضمونها.

وقد استقر قضاء مجلس الدولة على أن:

"التكليف بتسيير الأعمال لا ينشئ مركزًا قانونيًا دائمًا، ولا يجوز اتخاذه وسيلة لتجاوز القواعد المنظمة لشغل الوظائف."


رابعًا: الأثر القانوني لانتهاء قرار تسيير الأعمال

بانتهاء مدة قرار تسيير الأعمال دون تجديد:

  • تزول الصفة الإشرافية بقوة القانون.

  • لا يجوز للقائم بالأعمال الاستمرار في ممارسة اختصاصات الوظيفة.

  • يُعد أي اعتماد أو توقيع لاحق مشوبًا بعدم المشروعية.

ويترتب على ذلك:

  • سقوط استحقاق بدل الإشراف والقيادة من تاريخ انتهاء القرار.

  • اعتبار ما يُصرف بعد ذلك صرفًا دون وجه حق.


خامسًا: موقف بدل الإشراف والقيادة

تشترط القوانين المنظمة:

  • شغلًا فعليًا ومشروعًا للوظيفة الإشرافية.

  • صدور قرار إداري صحيح وساري.

وبالتالي:

  • لا يُستحق البدل لمجرد القيام الفعلي بالأعمال.

  • لا يُعتد بالأمر الواقع أو التسامح الإداري.


سادسًا: المسؤولية الإدارية

لا تنحصر المسؤولية في القائم بالأعمال فقط، بل تمتد إلى:

  • من أصدر أو أهمل تجديد القرار.

  • من سمح بالاستمرار دون سند.

  • من أقر أو صرف المزايا المالية بالمخالفة.

وقد يُشكل ذلك:

  • مخالفة مالية.

  • مخالفة إدارية جسيمة.

  • شبهة إهدار للمال العام.


سابعًا: إصدار القرارات الإدارية أثناء وبعد فترة التسيير

  • أثناء سريان قرار تسيير الأعمال، تُعد القرارات الصادرة صحيحة قانونيًا في حدود الصلاحيات ومدة القرار.

  • بعد انقضاء القرار أو انتهاء آخر تجديد مكتوب، تزول الصفة الإشرافية، ويصبح أي قرار صادر باطلًا قانونيًا.

كما يصبح أي صرف مالي مرتبط بذلك صرفًا دون وجه حق، وتترتب المسؤولية على القائم بالأعمال ومن سمح باستمراره، بما في ذلك الجهة المالية والإدارية، وفقًا لمبادئ المشروعية القضائية المستقرة.


خاتمة

إن الالتزام بالتمييز الدقيق بين شَغْل الوظيفة وتسيير الأعمال ليس ترفًا قانونيًا، بل هو ضمانة أساسية لحسن سير المرافق العامة، وحماية للمال العام، وتحقيق لمبدأ تكافؤ الفرص داخل الجهاز الإداري للدولة.

وأي استمرار في تجاهل هذه الضوابط لا يخلق حقوقًا، وإنما يُراكم أخطاءً قد يُسأل عنها الجميع عند المساءلة.

تعليقات