الهدف
تحليل المرحلة التأسيسية للطغيان بوصفها عملية تاريخية مركبة، لا حدثًا فجائيًا، وذلك من خلال قراءة السنن القرآنية المتكررة ومقارنتها بأنماط نشوء الاستبداد في التجارب السياسية عبر التاريخ.
أولًا: سنة الاستعلاء
الطغيان لا يبدأ بالقهر المباشر، بل بإعلان التفوق.
في هذه المرحلة يرسّخ الحاكم أو النخبة الحاكمة تصورًا ذهنيًا عن ذاتها باعتبارها «أعلى» من المجتمع: أرقى فهمًا، أحق بالقرار، أدرى بالمصلحة العامة. هذا الاستعلاء قد يتخذ صورة سياسية (شرعية ثورية أو تاريخية)، أو معرفية (احتكار الفهم والخبرة)، أو أخلاقية (ادعاء الطهر مقابل فساد المجتمع).
السنّة هنا أن الاستعلاء يسبق القهر؛ إذ لا يمكن تبرير السيطرة ما لم يُقنع المجتمع – أو يُفرض عليه – أن هناك تفاوتًا جوهريًا في الأهلية بين الحاكم والمحكوم. ومع الزمن يتحول هذا التفاوت من ادعاء إلى مسلّمة اجتماعية.
ثانيًا: سنة التدرج
الطغيان لا يقفز قفزًا، بل يزحف.
السلطة في طورها الأول تختبر حدود الرفض والقبول: إجراء استثنائي، ثم تمديد مؤقت، ثم صلاحية إضافية، ثم تحييد جزئي للمؤسسات. كل خطوة تبدو معقولة في سياقها الزمني، لكنها في مجموعها تُحدث تحولًا جذريًا في بنية الدولة.
السنّة التاريخية هنا أن المجتمع لا ينهزم دفعة واحدة، بل يُستنزف. ومع كل تنازل صغير يتقلص المجال العام، ويُعاد تعريف «الطبيعي» و«الاستثنائي» حتى يصبح الاستبداد هو القاعدة، والحرية هي الخطر.
ثالثًا: سنة التبرير الأخلاقي والأمني
لا يقوم الطغيان عاريًا من الخطاب.
في مرحلته التأسيسية يتكئ الاستبداد على خطاب مزدوج: أخلاقي وأمني.
أخلاقيًا: يُقدَّم الحاكم بوصفه حامي القيم، أو المصلح الضروري في مجتمع «منحرف» أو «غير ناضج».
أمنيًا: يُصوَّر المجتمع كفضاء مهدد دائمًا، حيث أي اعتراض هو مشروع فوضى، وأي اختلاف هو نواة خطر.
السنّة هنا أن الخوف لا يُستخدم فقط للقمع، بل لإعادة تعريف الفضيلة نفسها: يصبح الصمت حكمة، والطاعة وعيًا، والاعتراض خيانة.
رابعًا: دور الخوف الأولي في القبول الشعبي
الخوف في البدايات ليس خوفًا من البطش، بل خوف من البديل.
تُقنع السلطة المجتمع أن غيابها أسوأ من وجودها، وأن الاستقرار – ولو ظالمًا – أفضل من المجهول. في هذه اللحظة لا يُفرض الطغيان بالقوة الخالصة، بل بـ«القبول القَلِق».
السنّة التاريخية المتكررة أن المجتمعات لا تسلّم حريتها لأنها تحب الطغيان، بل لأنها تخشى الانهيار. ومع الوقت يتحول هذا الخوف المؤقت إلى نمط دائم من التكيّف، ثم إلى دفاع لا واعٍ عن السلطة نفسها.
الخلاصة
الدولة الفرعونية لا تولد بانقلاب مفاجئ، بل بسلسلة تنازلات صغيرة، مبرَّرة، متدرجة، ومغلَّفة بخطاب أخلاقي وأمني.
الطغيان في جوهره عملية تراكمية:
استعلاء يُقنِع، تدرج يُرهِق، خطاب يُبرر، وخوف يُسكِت.
وحين يكتمل البناء، لا يبدو الاستبداد كطارئ، بل كقدر.
المقال التالي:
المقال الرابع: سنن ترسيخ الطغيان: كيف يتحول الاستثناء إلى نظام؟
تعليقات
إرسال تعليق