القائمة الرئيسية

الصفحات

المقالة الثانية: التمهيد النفسي: كيف يُدار الخوف قبل إدارة الحدث

 


إذا كان التنبؤ يزرع الفكرة، فإن التمهيد النفسي هو ما يجعلها قابلة للعيش داخل الوعي الجمعي. فالخوف، في ذاته، ليس المشكلة؛ المشكلة في طريقة توقيته وإدارته. السلطة—بمفهومها الواسع الذي يشمل السياسة والإعلام والاقتصاد—تعلم أن الخوف المفاجئ يولّد انفجارًا، بينما الخوف المتوقع يولّد تكيّفًا.

وهنا تتجلى وظيفة التنبؤ كمرحلة أولى في هندسة الخوف.


1. الفرق بين الخوف الصادم والخوف المُمهَّد

الخوف الصادم:

  • مفاجئ
  • غير متوقَّع
  • يخلق رفضًا وغضبًا
  • يحرّك الشارع ويكسر الطاعة

أما الخوف المُمهَّد:

  • متدرّج
  • متوقَّع
  • يخلق قلقًا مزمنًا
  • يدفع إلى البحث عن النجاة الفردية لا الفعل الجماعي

التنبؤات تقوم بالدور الثاني بدقة:
لا تخيف الناس بما يكفي للثورة، بل بما يكفي للترويض.


2. التمهيد كإدارة زمنية للخوف

أخطر ما في التمهيد النفسي أنه يشتغل على الزمن.
الحدث لا يُقدَّم ككارثة مفاجئة، بل كمسار قادم “منذ زمن”.
وبذلك، حين يقع الحدث، لا يُستقبل بوصفه اعتداءً، بل بوصفه تحققًا لما كان يُقال.

النتيجة:

  • الصدمة تُستبدل بالاعتراف.
  • الغضب يُستبدل بالتنهّد.
  • السؤال “لماذا؟” يُستبدل بعبارة “كان متوقعًا”.

3. كيف تُدار جرعات الخوف؟

الخوف لا يُقدَّم دفعة واحدة، بل على شكل جرعات إدراكية:

  • تقرير هنا،
  • توقع هناك،
  • فيلم أو مسلسل،
  • حديث متكرر عن “العالم الجديد”.

كل جرعة صغيرة لا تُلاحظ وحدها، لكنها في مجموعها تعيد تشكيل سقف الاحتمال لدى الإنسان.
ما كان مرفوضًا يصبح ممكنًا،
وما كان صادمًا يصبح قابلًا للنقاش،
وما كان غير مقبول يصبح أمرًا واقعًا.


4. من الخوف إلى الاعتياد

التمهيد النفسي لا يهدف إلى إبقاء الناس خائفين دائمًا، بل إلى نقلهم من الخوف إلى الاعتياد.
فالخوف المستمر مُنهك وغير عملي، أما الاعتياد فهو الحالة المثالية للضبط.

الإنسان المعتاد:

  • لا يحتج بقوة،
  • لا يرفض جذريًا،
  • يتعامل مع الحدث كظرف لا كجريمة.

وهكذا يُعاد تعريف الكارثة:
ليست ما يجب تغييره، بل ما يجب التعايش معه.


5. التمهيد ونزع الفعل الجماعي

حين يُدار الخوف بشكل صحيح، يتفكك الفعل الجماعي تلقائيًا.
كل فرد ينشغل بسؤال:

  • كيف أحمي نفسي؟
  • كيف أتكيّف؟
  • كيف أنجو؟

بدل السؤال الأخطر:

  • كيف نمنع هذا؟
  • من المسؤول؟
  • ما البديل؟

وهنا تنجح هندسة القبول دون حاجة إلى قمع مباشر.


6. تمهيد لما هو قادم

في هذه المرحلة، لم نعد أمام “تنبؤ بريء” ولا “خوف عفوي”، بل أمام منظومة كاملة لإدارة الإدراك قبل الحدث.
في المقالة القادمة، سيتم تفكيك الفكرة الأكثر شيوعًا في هذا السياق:
هل نحتاج فعلًا إلى الإيمان بـ“حكومة خفية” كي نفهم ما يحدث؟
أم أن الواقع أكثر تعقيدًا… وأخطر؟

يتبع: المقالة الثالثة — من الحكومة الخفية إلى إدارة الإدراك: تفكيك الأسطورة


تعليقات