القائمة الرئيسية

الصفحات

كيف تُصاغ “الصحة النفسية”؟ ومن يملك حق تعريفها؟

 



مدخل إشكالي

حين نقول إن شخصًا ما “سليم نفسيًا”، يبدو الحكم علميًا ومحايدًا.
لكن السؤال الأعمق هو:
من الذي وضع هذا التعريف؟ وعلى أي أساس؟

هل الصحة النفسية حقيقة إنسانية ثابتة؟
أم مفهوم متغيّر تُعيد صياغته السلطة، والسياق، وحاجات المجتمع؟


أولًا: الصحة النفسية ليست مفهومًا بريئًا

في الظاهر، تُعرّف الصحة النفسية بأنها:

  • التوازن الانفعالي،
  • القدرة على التكيف،
  • الأداء الوظيفي والاجتماعي المقبول.

لكن هذه التعريفات تخفي افتراضًا مركزيًا:

الإنسان “الصحيح” هو الإنسان المتوافق.

وهنا تبدأ الإشكالية: التوافق مع ماذا؟
ومع من؟
ومع أي شروط؟


ثانيًا: السلطة الخفية خلف التعريف

السلطة هنا لا تعني فقط الدولة، بل:

  • المنظومة الاقتصادية،
  • الثقافة السائدة،
  • سوق العمل،
  • المؤسسات التعليمية،
  • وحتى الخطاب العلاجي نفسه.

كلها تشترك في رسم صورة “الإنسان المناسب”:

  • هادئ،
  • منتج،
  • لا يُربك النظام بأسئلته،
  • لا يطيل الحزن،
  • لا يرفض القواعد جذريًا.

ما يخرج عن هذا الإطار، يُعاد توصيفه:
قلق، اكتئاب، اضطراب، عدم توافق.


ثالثًا: من التمرد إلى التشخيص

في لحظات كثيرة من التاريخ:

  • كان الشك فضيلة،
  • وكان القلق وعيًا،
  • وكان الغضب موقفًا أخلاقيًا.

اليوم، كثير من هذه الحالات:

  • تُهدَّأ دوائيًا،
  • تُدار علاجيًا،
  • وتُعاد إلى “الطبيعي”.

ليس لأن الإنسان شُفي،
بل لأن المنظومة ارتاحت.


رابعًا: DSM كنموذج

الدليل التشخيصي للاضطرابات النفسية (DSM) يُقدَّم كمرجع علمي،
لكنه في حقيقته:

  • وثيقة توافقية،
  • تتغير مع الزمن،
  • وتتأثر بالثقافة،
  • والسياسة،
  • والاقتصاد.

اضطرابات أُضيفت ثم أُزيلت.
أعراض اعتُبرت مرضًا ثم صارت طبيعية.

ما يعني أن “المرض” نفسه ليس دائمًا حقيقة بيولوجية خالصة،
بل أحيانًا تصنيف اجتماعي مؤقت.


خامسًا: العلاج كأداة ضبط ناعمة

العلاج النفسي قد يتحول – دون قصد – إلى:

أداة لإعادة الفرد إلى القالب، لا لفهم ألمه.

فيُسأل المراجع:

  • كيف نخفف الأعراض؟
  • كيف نزيد التكيف؟
  • كيف نستعيد الأداء؟

ولا يُسأل بما يكفي:

  • هل هذا الألم مفهوم؟
  • هل الرفض مبرَّر؟
  • هل المشكلة في الفرد… أم في الواقع؟

سادسًا: هل كل تكيف صحة؟

قد يتكيف الإنسان مع:

  • الظلم،
  • القهر،
  • الاستغلال،
  • التفاهة،
  • الاغتراب.

هل هذا تكيف صحي؟
أم انسحاب نفسي ذكي؟

الصحة النفسية الحقيقية لا تعني دائمًا الهدوء،
بل أحيانًا القدرة على الاضطراب دون الانكسار.


سابعًا: نحو تعريف أوسع للصحة النفسية

ربما الصحة النفسية ليست:

  • غياب الألم،
  • ولا كثرة السعادة،
  • ولا الامتثال الكامل.

بل:

  • القدرة على الإحساس دون تدمير الذات،
  • والاعتراض دون فقدان المعنى،
  • وتحمل القلق بوصفه ثمن الوعي.

خاتمة

الصحة النفسية ليست مجرد حالة طبية،
بل مفهوم تتقاطع فيه: العلم،
والثقافة،
والسلطة،
والقيم.

والخطر لا يكمن في العلاج،
بل في اختزال الإنسان إلى “حالة تحتاج ضبطًا”.

فبعض النفوس ليست مريضة…
بل واعية أكثر من اللازم في عالم يفضل التخدير.


الموضوعات القادمة:

  • الفرق بين الألم النفسي والاضطراب النفسي: متى يكون الألم صحيًا؟
  • أو العلاج النفسي: تخفيف المعاناة أم إعادة التطبيع؟



تعليقات