كيف تُصاغ “الصحة النفسية”؟ ومن يملك حق تعريفها؟

كامل محمدكامل السيد عشري
المؤلف كامل محمدكامل السيد عشري
تاريخ النشر
آخر تحديث

 



مدخل إشكالي

حين نقول إن شخصًا ما “سليم نفسيًا”، يبدو الحكم علميًا ومحايدًا.
لكن السؤال الأعمق هو:
من الذي وضع هذا التعريف؟ وعلى أي أساس؟

هل الصحة النفسية حقيقة إنسانية ثابتة؟
أم مفهوم متغيّر تُعيد صياغته السلطة، والسياق، وحاجات المجتمع؟


أولًا: الصحة النفسية ليست مفهومًا بريئًا

في الظاهر، تُعرّف الصحة النفسية بأنها:

  • التوازن الانفعالي،
  • القدرة على التكيف،
  • الأداء الوظيفي والاجتماعي المقبول.

لكن هذه التعريفات تخفي افتراضًا مركزيًا:

الإنسان “الصحيح” هو الإنسان المتوافق.

وهنا تبدأ الإشكالية: التوافق مع ماذا؟
ومع من؟
ومع أي شروط؟


ثانيًا: السلطة الخفية خلف التعريف

السلطة هنا لا تعني فقط الدولة، بل:

  • المنظومة الاقتصادية،
  • الثقافة السائدة،
  • سوق العمل،
  • المؤسسات التعليمية،
  • وحتى الخطاب العلاجي نفسه.

كلها تشترك في رسم صورة “الإنسان المناسب”:

  • هادئ،
  • منتج،
  • لا يُربك النظام بأسئلته،
  • لا يطيل الحزن،
  • لا يرفض القواعد جذريًا.

ما يخرج عن هذا الإطار، يُعاد توصيفه:
قلق، اكتئاب، اضطراب، عدم توافق.


ثالثًا: من التمرد إلى التشخيص

في لحظات كثيرة من التاريخ:

  • كان الشك فضيلة،
  • وكان القلق وعيًا،
  • وكان الغضب موقفًا أخلاقيًا.

اليوم، كثير من هذه الحالات:

  • تُهدَّأ دوائيًا،
  • تُدار علاجيًا،
  • وتُعاد إلى “الطبيعي”.

ليس لأن الإنسان شُفي،
بل لأن المنظومة ارتاحت.


رابعًا: DSM كنموذج

الدليل التشخيصي للاضطرابات النفسية (DSM) يُقدَّم كمرجع علمي،
لكنه في حقيقته:

  • وثيقة توافقية،
  • تتغير مع الزمن،
  • وتتأثر بالثقافة،
  • والسياسة،
  • والاقتصاد.

اضطرابات أُضيفت ثم أُزيلت.
أعراض اعتُبرت مرضًا ثم صارت طبيعية.

ما يعني أن “المرض” نفسه ليس دائمًا حقيقة بيولوجية خالصة،
بل أحيانًا تصنيف اجتماعي مؤقت.


خامسًا: العلاج كأداة ضبط ناعمة

العلاج النفسي قد يتحول – دون قصد – إلى:

أداة لإعادة الفرد إلى القالب، لا لفهم ألمه.

فيُسأل المراجع:

  • كيف نخفف الأعراض؟
  • كيف نزيد التكيف؟
  • كيف نستعيد الأداء؟

ولا يُسأل بما يكفي:

  • هل هذا الألم مفهوم؟
  • هل الرفض مبرَّر؟
  • هل المشكلة في الفرد… أم في الواقع؟

سادسًا: هل كل تكيف صحة؟

قد يتكيف الإنسان مع:

  • الظلم،
  • القهر،
  • الاستغلال،
  • التفاهة،
  • الاغتراب.

هل هذا تكيف صحي؟
أم انسحاب نفسي ذكي؟

الصحة النفسية الحقيقية لا تعني دائمًا الهدوء،
بل أحيانًا القدرة على الاضطراب دون الانكسار.


سابعًا: نحو تعريف أوسع للصحة النفسية

ربما الصحة النفسية ليست:

  • غياب الألم،
  • ولا كثرة السعادة،
  • ولا الامتثال الكامل.

بل:

  • القدرة على الإحساس دون تدمير الذات،
  • والاعتراض دون فقدان المعنى،
  • وتحمل القلق بوصفه ثمن الوعي.

خاتمة

الصحة النفسية ليست مجرد حالة طبية،
بل مفهوم تتقاطع فيه: العلم،
والثقافة،
والسلطة،
والقيم.

والخطر لا يكمن في العلاج،
بل في اختزال الإنسان إلى “حالة تحتاج ضبطًا”.

فبعض النفوس ليست مريضة…
بل واعية أكثر من اللازم في عالم يفضل التخدير.


الموضوعات القادمة:

  • الفرق بين الألم النفسي والاضطراب النفسي: متى يكون الألم صحيًا؟
  • أو العلاج النفسي: تخفيف المعاناة أم إعادة التطبيع؟



تعليقات

عدد التعليقات : 0