لم يعد التنبؤ في عالم اليوم مجرد محاولة إنسانية لاستشراف المجهول، بل تحوّل—في كثير من تجلياته—إلى أداة تؤدي وظيفة نفسية واجتماعية محددة: تهيئة الوعي قبل وقوع الحدث. الفارق الجوهري هنا أن السؤال لم يعد: هل سنعرف ما سيحدث؟ بل: كيف سنستقبل ما سيحدث؟
هذا التحول يضع التنبؤ خارج نطاق المعرفة، ويدخله في نطاق إدارة الإدراك الجمعي.
1. التنبؤ كآلية نفسية لا كمعرفة
التنبؤات السنوية، كما تُقدَّم وتُروَّج، لا تُصاغ بلغة علمية قابلة للاختبار، بل بلغة مرنة تسمح بإعادة التأويل. هذه المرونة ليست عيبًا عرضيًا، بل شرطًا وظيفيًا يضمن بقاء التنبؤ صالحًا مهما كانت النتائج.
وظيفته الأساسية ليست الدقة، بل خلق حالة انتظار ذهني.
الانتظار هنا ليس محايدًا؛ إنه انتظار مشحون بالقلق، يدرّب العقل على التعايش المسبق مع سيناريوهات سلبية، فيُضعِف ردّة الفعل عند تحققها.
2. من الفضول إلى التطبيع
حين تُستهلك التنبؤات بوصفها “محتوى موسميًا” أو “تسلية عامة”، فإنها تتجاوز الدفاعات النقدية للعقل. ومع التكرار، يحدث ما يلي:
- يتحول الحدث المحتمل إلى فكرة مألوفة.
- تتراجع حدّة الصدمة المتوقعة.
- يصبح القبول أسهل من الرفض.
هنا لا يعود التنبؤ إخبارًا، بل تطبيعًا.
3. برمجة الوعي عبر التكرار
التكرار عنصر حاسم. ليس مطلوبًا إقناع الناس بصحة التنبؤ، بل تعويدهم على فكرته.
فعندما يُقال عامًا بعد عام إن “العالم مقبل على اضطرابات”، فإن الاضطراب يفقد صفته الاستثنائية ويغدو حالة طبيعية.
العقل الذي اعتاد الفكرة لا يقاوم تحققها، بل يبحث عن كيفية التكيّف معها.
4. التنبؤ وإعادة تعريف المسؤولية
أحد أخطر آثار هذا النمط من التنبؤ هو إزاحة المسؤولية.
فالحدث الذي يُقدَّم بوصفه “متوقعًا” أو “محتمًا” يُنزَع عنه طابعه البشري والسياسي، ويُعاد تعريفه كمسار لا فاعل له.
وبذلك:
- يضعف السؤال عن القرار.
- يغيب البحث عن البدائل.
- يتحول الفعل إلى قدر.
5. بداية السلسلة: الإطار العام
هذه المقالة تضع الأساس لفهم التنبؤ لا كخطأ معرفي فقط، بل كأداة ضمن منظومة أوسع لإدارة الوعي.
في المقالة التالية، سيتم الانتقال من مفهوم التنبؤ إلى آلية التمهيد النفسي، وكيف يُدار الخوف قبل إدارة الحدث، ولماذا يكون الخوف المتوقع أقل خطرًا على السلطة من الخوف المفاجئ.
يتبع: المقالة الثانية — التمهيد النفسي: كيف يُدار الخوف قبل إدارة الحدث
تعليقات
إرسال تعليق